الباحث القرآني

وقوله: {بِذَنبِهِمْ} : وحدَه لأنه مصدرٌ في الأصلِ، ولم يَقْصِدِ التنويعَ بخلافِ «بذنوبهم» في مواضعَ. قوله: {فَسُحْقاً} فيه وجهان أحدُهما: أنَّه منصوبٌ على المفعولِ به أي: ألزَمَهم اللَّهُ سُحْقاً. والثاني: أنَّه منصوبٌ على المصدرِ تقديرُه: سَحَقَهم اللَّهُ سُحْقاً، فناب المصدرُ عن عامِله في الدُّعاءِ نحو: جَدْعاً له وعَقْراً، فلا يجوزُ إظهارُ عامِلِه. / واختلف النحاة: هل هو مصدرٌ لفعلٍ ثلاثيّ أم لفعلٍ رباعي فجاء على حَذْفِ الزوائدِ؟ فذهب الفارسيُّ والزجَّاجُ إلى أنه مصدرُ أسْحَقَه اللَّهُ أي: أبعَدَه. قال الفارسي: «فكان القياسُ إسْحاقاً، فجاء المصدرُ على الحَذْفِ كقوله: 4286 - فإن أَهْلِكْ فذلك كان قَدْري ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي تقديري. والظاهرُ أنه لا يُحتاج لذلك؛ لأنه سُمع: سَحَقه اللَّهُ ثلاثياً. وفيه قولُ الشاعر: 4287 - يجولُ بأطرافِ البلادِ مُغَرِّباً ... وتَسْحَقُه ريحُ الصَّبا كلَّ مَسْحَقِ والذي يظهرُ أنَّ الزجَّاج والفارسيَّ إنما قالا ذلك فيَمْن يقولُ مِن العربِ أَسْحقه الله سُحْقاً. وقرأ العامَّةُ بضمةٍ وسكونٍ، والكسائيُّ في آخرَين بضمتين، وهما لغتان. والأحسنُ أَنْ يكونَ المثقَّلُ أصلاً للخفيفِ. و [قوله] » لأصحاب «بيانٌ ك {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23] وسَقْياً لك. وقال مكي:» والرفعُ يجوز في الكلامِ على الابتداء «أي: لو قيل:» فَسُحْقٌ «جاز لا على أنه تلاوةٌ بل من حيث الصناعةُ، إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ قد قال ما يُضَعِّفُه، فإنه قال:» فسُحْقاً نصباً على جهةِ الدعاءِ عليهم، وجازَ ذلك فيه وهو مِنْ قِبل اللَّهِ تعالى من حيثُ هذا القولُ، فيهم مستقرٌ أَوَّلاً، ووجودُه لم يَقَعْ، ولا يَقَعُ إلاَّ في الآخِرة، فكأنه لذلك في حَيِّز المتوقَّع الذي يُدَّعَى فيه كما تقول: «سُحْقاً لزيدٍ، وبُعْداً له» والنصبُ في هذا كلِّه بإضمار فعلٍ، وأما ما وَقَعَ وثَبَتَ فالوجهُ فيه الرفعُ، كما قال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 24] وغيرُ هذا مِن الأمثلة «انتهى. فضعَّفَ الرفعَ كما ترى لأنه لم يَقَعْ بل هو متوقَّعٌ في الآخرةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.