الباحث القرآني

قوله تعالى: {أَئِمَّةَ الكفر} : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أئمة» بهمزتين ثانيتهما مُسَهَّلة بينَ بينَ ولا ألفَ بينهما. والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتخفيفهما من غير إدخال ألف بينهما، وهشام كذلك إلا أنه أَدْخَلَ بينهما ألفاً. هذا هو المشهور بين القراء السبعة. وفي بعضها كلامٌ يأتي إن شاء الله تعالى. ونقل الشيخ عن نافع ومَنْ معه، أنهم يُبْدلون الثانية ياء صريحة، وأنه قد نُقِلَ عن نافع المدُّ بينهما، أي بين الهمزة والياء. فأما قراءةُ التحقيق وبينَ بينَ، فقد ضعَّفها جماعة من النحويين كأبي علي الفارسي وتابعيه، ومن القرَّاء أيضاً مَنْ ضَعَّفَ التحقيقَ مع روايتِه له، وقراءتِه به لأصحابه. ومنهم مَنْ أنكر التسهيلَ بينَ بينَ، فلم يقرأ به لأصحاب التخفيف، وقرؤوا بياءٍ خفيفةٍ الكسرِ، نصُّوا على ذلك في كتبهم. وأما القراءة بالياء فهي التي ارتضاها الفارسي وهؤلاء الجماعةُ، لأنَّ النطقَ بالهمزتين في كلمة واحدة ثقيل، وهمزةُ بين بين بزنة المخففة. والزمخشري جعل القراءة بصريح الياء لحناً، وتحقيق الهمزتين غير مقبولٍ عند البصريين قال: «فإن قلت: كيف لفظ» أئمة «؟ ، قلت: بهمزةٍ بعدها همزةُ بين بين أي: بين مخرجِ الهمزةِ والياء، وتحقيق الهمزتين قراءةٌ مشهورة، وإن لم تكنْ مقبولةً عند البصريين. وأمَّا التصريحُ بالياء فلا يجوز أن تكون، ومَنْ قرأ بها فهو لاحِنٌ مُحَرِّف» . قال الشيخ: «وذلك دأبُه في تلحين المقرئين، وكيف تكون لحناً، وقد قرأ بها رأسُ النحاة البصريين، أبو عمرو بن العلاء، وقارىءُ أهلِ مكة ابنُ كثير، وقارىءُ أهل المدينة نافع؟» . قلت: لا يُنْقَم على الزمخشري شيءٌ فإنه إنما قال إنها غير مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من ذلك أنه لا يَقْبلها، غاية ما في الباب، أنه نَقَل عن غيره. وأمَّا التصريحُ بالياء، فإنه معذورٌ فيه لأنه كما قَدَّمْتُ لك، إنما اشْتُهِر بين القراء التسهيلُ بين بين لا الإِبدال المحض، حتى إن الشاطبي جعل ذلك مذهباً للنحويين لا للقراء، فالزمخشري إنما اختار مذهب القراء لا مذهب النحاة في هذه اللفظة. وقد رَدَّ أبو البقاء قراءةَ التسهيلِ بينَ بينَ فقال: «ولا يجوز هنا أن تُجعل بينَ بينَ، كما جُعلت همزةُ» أئذا «؛ لأن الكسرةَ هنا منقولةٌ وهناك أصليةٌ، ولو خُفِّفَت الهمزةُ الثانية [هنا] على القياس لقُلِبت ألفاً لانفتاح ما قبلها، ولكن تُرِكَ لتتحركَ بحركةِ الميم في الأصل» . قلت: قوله «منقولةٌ» لا يُفيد لأنَّ النقلَ هنا لازم، فهو كالأصل. وقوله: «ولو خُفِّفَتْ على القياس إلى آخره» لا يفيد أيضاً لأن الاعتبار بالإِدغام سابقٌ على الاعتبار بتخفيف الهمزة. ولذلك موضعٌ يضيق هذا الموضع عنه. ووزن أَئِمَّة: أَفْعِلة؛ لأنها جمع إمام، كحمار وأَحْمِرة، والأصل أَأْمِمة، فالتقى ميمان فأُريد إدغامُهما فنُقلت حركةُ الميم الأولى للساكن قبلَها، وهو الهمزة الثانية، فأدَّى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة: فالنحويون البصريون يوجبون إبدالَ الثانية ياء، وغيرُهم يحقق أو يسهِّل بينَ بينَ. ومَنْ أَدْخَلَ الألفَ فللخِفَّة حتى يُفَرِّق بين الهمزتين، والأحسنُ حينئذٍ أن يكونَ ذلك في التحقيق كما قرأ هشام. وأمَّا ما رواه الشيخ عن نافع مِنْ المدّ مع نَقْلِه عنه أنه يصرح بالياء فللمبالغة في الخفة. قوله: {لاَ أَيْمَانَ} قرأ ابن عامر: «لا إيمان» بكسر الهمزة، وهو مصدرُ آمَن يُؤْمن إيماناً. وهل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذٍ وجهان أحدهما: أنهم لا يُؤْمنون في أنفسهم أي: لايُعْطون أماناً بعد نُكثِهم وطَعْنهم، ولا سبيلَ إلى ذلك. والثاني: الإِخبار بأنهم لا يُوفون لأحدٍ بعهدٍ يَعْقِدونه له. أو من التصديق أي: إنهم لا إسلامَ لهم. واختار مكي التأويلَ الأول لِما فيه من تجديد فائدة لم يتقدَّمْ لها ذِكْرٌ؛ لأنَّ وَصْفَهم بالكفر وعدمِ الإِيمان قد سَبَقَ وعُرِف. وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمعُ يمين. وهذا مناسب للنكث، وقد أُجْمع على فَتْح الثانية. ومعنى نفي الأيمان عن الكفارِ، أنهم لا يُوفون بها، وإن صَدَرَتْ منهم وَثَبَتَتْ. وهذا كقول الآخر: 2473 - وإنْ حَلَفَتْ لا تَنْقُضُ الدهرَ عهدَها ... فليس لمخضوبِ البَنانِ يمينُ وبذلك قال الشافعي. وحمله أبو حنيفة على حقيقته: أن يمين الكافر لا تكون يميناً شرعياً، وعند الشافعي يمينٌ شرعية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.