الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ . استدل به على وجوب العمرة كالحج وعلى منع فسخ الحج إلى العمرة رداً على ابن عباس وعلى وجوب إتمام الحج والعمرة فيه بعد الشروع فرضاً أو نفلاً كما فسر به الإتمام، ويدل عليه قوله بد ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت، والصفا والمروة، واستدل به قوم على أن الإحرام من دويرة أهله أفضل. وروى الحاكم عن علي في قوله: وأتموا الحج والعمرة لله قال يحرم من دويرة أهله وقوم على أفضلية الإفراد روى عبد الرازق في تفسيره عن معملا عن الزهري قال بلغنا أن عمر قال في هذه الآية: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن تعتمر في غير أشهر الحج، وقيل إتمامهما ألأن يخرج قاصداً لهما لا للتجارة ونحوها ويؤيده قوله ﴿لله﴾ وقيل أن تكون النفقة حلالاً وقيل أن يقرن بينهما، وقيل أن تستوعب المناسك كاملة، واحتج بعموم الآية على إتمام الإحرام إذا فسد بالجماع وأن القارن إذا خاف فوت عرفة فليس له رفض العمرة، والمعتمرة إذا حاضت قبل الطوافلا ترفضها والصبي والعبد إذا كملا قبل الوقوف لا يرفضانه. قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ . فيه جواز التحلل بالإحصار وأن فيه دما وأنه لا يحصل التحلل إلا بذبحه في محله وأنه لا يجوز الحلق قبله وأن حلق الرأس حرتم على المحرم، واستدل به من لا يرى التحلل إلا من حصر العدو، فأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو فأما من أصابه مرض أو وجع او ضلال فلا. إنما قال الله: فذا أمنتم. لكن قال مجاهد الحصر حبس كله، أخرجه ابن جرير فيعم العدو والمرض وغيرهما. وفي الآية رد على منع التحلل من العمرة بالإحصار وعلى من لم يوجب الهدي على المحصر، واستدل بها الحنفية على وجوب ذبحه بالحرم لا حيث أحصر لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مع قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ . ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . وسيأتي عن ابن عباس في تفسير الآية. واستدل بها من لم يجوز ذبحه قبل يوم النحر لأن الحل يقع على الوقت والمكان جميعاً ومن لم يجوز التحلل لفاقده، ومن لم له بدلاً ومن لم يوجب عليه القضاء لأنه تعالى لم يذكرهما ولم يكتف بالشاة لواجد البدنة زالبقرة لأنه علقه بالاستيسار ومن لم يجوز الاشتراك فيه لأن مقتضى قوله: ومن الهدي: هدي كامل، والمتقرب بمشترك فيه إنما تقرب ببعض هدي، ومن أباح التحلل للمكي واستدل بقوله: ولا تحلقوا رؤوسكم، على أن الحلق قبل الذبح في الحصر وغيره بناء على أن النهي عن الحلق عام له ولغيره، وقد تقدم عن ابن عباس، على أن الحلال إذا حلق رأس المحرم لا شيء عليه لأن الخطاب مع المحرمين. قوله تعال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . فيه لإباحة الحلق لعذر وأن فيه حينئذ فدية، وأنها مخيرة إما الصوم أو الإطعام أو الدم وقدروا قبل ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فحلق وأحسن منه أن يقدر ففعل ما حرم عليه في الإحرام كما أخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: وإذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي فإن تعجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه أو مس طيباً أو تداوى بدواء كان عليه فدية من طعام أو صدقة أو نسك والصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع والنسك شاة إسنادة صحيح، وقال الكيا: قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ يفيد أنه لو كان به قروح في رأسه أو جراح واحتاج إلى شدة وتغطيته كان حكمه في الفدية حكم الحلق. وكذلك المرض الذي يحوجه إلى لبس الثياب لأنه تعالى لم يخصص شيئاً من ذلك فهو عموم في الكل، قال ابن الفرس: وظاهر الآية لا يقتضي تخصيص هذه بموضع، فيحمل على عمومها في المواضع كلها وهو مذهب مالك. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية استدل بها من أباح التمتع للمحصر خاصة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية ومن أباح التمتع مطلقاً قال عمرتن بن حصين أنزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء يعني عمر أخرجه البخاري ومسلم. واستدل بها من أوجب على المحصر بعد زوال الإحصار حجاً وعمرة فإن جمع بينهما في أشهر فعليه دم وهو متمتع، وإلا فلا. وفي الآية أن صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم يحج من عامة قال ابن عباس قوله: فمن تمتع، يقول: فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أخرجه ابن أبي حاتم، وفيها أن عليه دماً فإن لم يجده صام عشرة أيام وأنه يجب تفريقها ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع فينذب الإحرام بالحج قبل يوم النحر بثلاثة أيام، واختلف في المراد بقوله: رجعتم، فقيل إلى أوطانكم وقيل من مِنى, وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابو حنيفة: الإشارة بذلك إلى التمتع فليس للمكي أن يستمتع فمتى فعله أخطأ وعليه دم، وقال الشافعي رحمه الله إلى وجوب الدم فلا دم على المكي وله التمتع وقال أبو حنيفة لو كان راجعاً إليه لقال: ذلك على من، واختلف هل المراد بالمكي حاضر مكة ولو كان غريباً أو شرطه الاستيطان على وجهين عندنا مستند الثاني. قوله: أهله، واستدل بالآية من رأى وجوب الدم على من عاد لإحرام الحج إلى الميقات لعمومها. ومن أوجب الجمع في هذا الدم بين الحل والحرم فلا يجوز شراؤه من الحرم ونحره فيه لأن الهدى مأخوذ من الهدية فيجب أن يهدى من غير الحرم إليه ومن جوز صوم أيام التشريق عن الثلاثة. وفي الآية رد على من أجاز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحج في العمرة أو بعدها، وعلى من أجاز صوم السبعة أيضاً في الحج.