الباحث القرآني

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية. قال الكيا: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء أن داود أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره ولا زوجة له مع كثرة نساء داود غير عالم بذلك فنهاه الله بذلك من تسور الملكين وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض ليعدل عن ذلك ويستغفر ربه من هذه الصغيرة لكن كيف يجوز أن يقول الملكان خصمان بغى بعضنا على بعض وذلك كذب والملائكة عن مثله منزهة وجوابه أن فيه تقديراً وكأنهما قالا قدرنا كالخصمين وعلى ذلك يحمل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ إلى آخره، انتهى. وقال الشيخ تقي الدين البكي في كتابه "القول المحمود في تنزيه داود" ومن خطه نقلت: تكلم الناس في قصة داود وأكثروا وذلك مشهور جداً وذكروا أموراً منها ما هو منكر عند العلماء ومنها ما ارتضاه بعضهم وهو عندي منكر، وتأملت القرآن فظهر لي وجه خلاف ذلك كله فإني نظرت قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ فوجدته يقتضي أن المغفور في الآية يعني للإشارة بذلك، فطلبته فوجدته أحد ثلاثة امور: إما ظنه، وإما اشتغاله بالحكم عن العبادة، وإما اشتغاله بالعبتدة عن الحكم، كما أشعر به قوله: ﴿فِي الْمِحْرَابِ﴾ وذلك أنه صح عن نبينا ﷺ أن داود أعبد البسر فكأن داود انقطع ذلك اليوم في المحراب للعبادة الخاصة بينه وبين الله فجاءت الخصوم لم يجدوا إليه طريقاً فتسوروا إليه وليسوا ملائكة ولا ضرب بهم مثل وإنما هم تخاصموا في نعاج على ظاهر الآية فلما وصولوا إليه حكم بينهم ثم من شدة خوفه وكثرة عبادته خاف أن يكون الله امتحنه بذلك إما لاشتغاله عن الحكم بالعبادة ذلك اليوم وإما لاشتغاله عن العبادة بالحكم تلك اللحظة فظن أن الله فتنه أي امتحنه واختبره هل يترك الحكم للعبادة أو العبادة للحكم، فاستغفر ربه، فاستغفاره لأحد هذين الأمرين واحتمل ثالثاً وهو ظنه: وإن يكن الله لم يرد فتنته وإنما أراد إظهار كرامته، وأنظر قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ كيف يقتضي رفعه قدره وقوله ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ يقتضي ذلك ويقتضي ترجيح الحكم على العبادة وعلى أي وجه من الأوجه الثلاثة جملته حصل تنزيه داود عليه السلام مما يقوله القصاص، انتهى. قلت والقصة التي يحكونها في شأن المرأة وأنها أعجبته وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل أخرجهما ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعاً، وفي إسناده ابن لهيعة وحاله معروف عن أبي صخر عن يزيد الرقاشي، واخرجهما من حديث ابن عباس موقوفاً وقال ابن الفرس: في هذه القصة دليل على جواز القضاء في المسجد والتطلف في رد الإنسان عن مكروه صنعه وأن لا يؤخذ بالعنف ما أمكن وجوتز المعاريض من القول.