الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية. أخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي بن أبي طال قال صنع لنا عبد الرحمن ابن عوف طعاماً فدعانا سقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ . وأخرج الفريابي وإبن منذر عن علي في قوله ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ . قال: نزلت هذه الآية في المسافر تصيبه الجنابه فيتيمم ويصلي، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس مثله، ففي الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو وبطلانها وبطلان الإقتداء به، وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافراً فيباح له التيمم وقيل المراد السكر من النوم، أخرج الفريابي وعبد عن الضحاك في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قال لم يعن بها الخمر وإنما عنى سكر النوم، ففيه كراهة الصلاة حال النعاس يوافقه حديث البخاري: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول"، وفي الآية تفسير ثان بأن المراد مواضع الصلاة على حد ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ قال المساجد، وفي قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال لا تدخلوا المسجد وأنت عابري سبيل قال تمر به مراً ولا تجلس ففي، الآية تحريم دخول المسجد على السكرتن لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى منها التلويث والسباب ونحوه، وعلى الجنب إلا أن يمر به مجتازاً من غير مكث فيباح له، وفي الآية رد على من حرم العبور أيضاً ما لم يجد بداً أم يتيمم، وعلى من أباح الجلوس مطلقاً أو إذا توضأ لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل فلا يقوم مقامه الضوء وأستدل ابن الفرس بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ على أن الجنب لا وضوء عليه وإن الحدث الأصغر مندرج في الجنابة لأنه لم يجعل عليه غي الغسل. وأستدل ابن المنذر بالآية على صحة قول الشافعي أن السكران يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب قبل الشرب، ولا يحتاج إلى أن لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة كما قال غيره، لأن الذين خزطبزا بهذه الآية كانوا يقربون الصلاة حال سكرهم قاصدين لها عالمين بها وقد سموا سكارى، وأستدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية وعلى تكليف السكرتن ودخوله تحت الخطاب وفيه نظر لأن الخطاب عام لكل مؤمن وعلى تقدير أنه قصد الذين صلوا في حال السكر فإنما نزل صحوتهم وأستدل بقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴿من قال إنه يلزمه الأفعال ولا يلزمه الأقوال. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية. يأتي ما يتعلق بها في سورة المائدة إن شاء الله.