الباحث القرآني

﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية إثبات لنبوّة محمد ﷺ بإقامة الدليل على أنّ القرآن جاء به من عند الله، فلما قدّم إثبات الألوهية أعقبها بإثبات النبوة، فإن قيل: كيف قال إن كنتم في ريب، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟ فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أنّ الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. ﴿عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ هو النبي ﷺ، والعبودية على وجهين: عامة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصة وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد. ولله در القائل: لا تدعني إلاّ بيا عبدها — فإنّه أشرف أسمائي. ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ الضمير عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل: يعود على النبي ﷺ، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحكم العجيبة والبراهين الواضحة ﴿شُهَدَآءَكُم﴾ آلهتكم أو أعوانكم أو من يشهد لكم ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي غير الله، وقيل: هو من الدين الحقير، فهو مقلوب اللفظ ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير مصداقه في الوجود إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى، وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين: أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح، والثاني: أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على الوجهين، وقد بينّا سائر وجوه إعجازه في المقدّمة ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ﴾ أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبر باللازم عن ملازمه، لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف ﴿وَقُودُهَا﴾ حطبها ﴿ٱلنَّاسُ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدّة حرها وقبح رائحتها، وقيل: الحجارة المعبودة، وقيل: الحجارة على الإطلاق ﴿لِلْكَٰفِرِينَ﴾ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافاً لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.