الباحث القرآني

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ السبب هنا الحبل، والسماء هنا سقف البيت وشبهه من الأشياء، التي تعلق منها الحبال، والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجل إذا اختنق، ويحتمل أن يراد به قطع الرجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف، والمراد بالاختناق هنا ما يفعله من اشتد غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل إليه، كقوله للحسود: مت كمداً، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك، وفي معنى الآية قولان: الأول أن الضمير في ينصره لسيدنا محمد ﷺ، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظنّ أن لن ينصر الله محمداً فليختنق بحبل، فإن الله ناصره ولا بد على غيظ الكفار، فموجب الاختناق هو الغيظ من نصرة سيدنا محمد ﷺ، والقول الثاني أن الضمير في ﴿يَنصُرَهُ﴾ عائد الى ﴿مَن﴾، والمعنى على هذا من ظنّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمه أن لن ينصره الله: فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق على هذا القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظنّ بالله حتى ييأس من نصره، ولذلك فسر بعضهم أن لن ﴿يَنصُرَهُ ٱللَّهُ﴾ بمعنى أن (لن يرزقه)، وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف، لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، حتى ظنّ أن الله لن ينصره، فيكون هذا الكلام متصلاً بما قبله: ويدل على ذلك قوله قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤]: أي الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني، أن الضمير في ينصره على هذا القول يعود على ما تقدّمه، وأما على القول الأول فلا يعود على مذكور قبله؛ لأن النبي ﷺ لم يذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه، ولا يدل سياق الكلام عليه دلالة ظاهرة ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الكيد هنا يراد به اختناقه، وسُميَ كيداً لأنه وضعه موضع الكيد، إذ هو غاية حيلته، والمعنى إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب ذلك ما يغيظه من الأمر، أي ليس يذهبه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.