الباحث القرآني

﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام، ويعني بالفعلة: قتله للقبطي، والواو في قوله: ﴿وَأَنتَ﴾ إن كانت للحال فقوله من الكافرين، معناه كافراً بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمناً، ولم يعلم بذلك فرعون، وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين بديني، ومن الكافرين بنعمتي ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾ القائل هنا هو موسى عليه السلام، والضمير في قوله: فعلتها لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله: ﴿مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، فقيل: معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل؛ معناه من الناسين، فهو كقوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله ﴿إِذاً﴾ صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حنيئذ، قال ذلك ابن عطية ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ﴾ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى ﴿عَبَّدتَّ﴾: ذللت واتخذتهم عبيداً، فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة عليّ تعبيد بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة، لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني، فالإشارة بقوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ إلى التربية، و﴿أَنْ عَبَّدتَّ﴾ في موضع رفع عطف بيان على تلك، أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل: معنى الكلام تربيتك نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: وما رب العالمين؟ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾؟ تعجباً من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء، وأعظم البراهين، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيد الازدراء والتهكم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحداً جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطف طمعاً في إيمانه، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد، وماذا تأمرون؟ وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولاً: ﴿إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، ثم قال آخراً ﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟ فالجواب أنه لايَنَ أولاً طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة: وبخهم بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ... لَمَجْنُونٌ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.