الباحث القرآني

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ أي قصد إليها، ويقتضي هذا الترتيب: أن الأرض خلقت قبل السماء، فإن قيل: كيف الجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فالجواب لأنها خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد ذلك ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ روي أنه كان العرش على الماء، فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضاً، ثم خلق السمٰوات من الدخان المرتفع ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ هذه عبارة عن لزوم طاعتها، كما يقول الملك لمن تحت يده: افعل كذا شئت أو أبيت، أي: لا بد لك من فعله، وقيل: تقديره ائتيا طوعاً وإلا أتيتما كرهاً، ومعنى هذا الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله، وقوله لهما ﴿أَتَيْنَا﴾ مجاز، وهو عبارة عن تكوينه لهما وكذلك قولهما: أتينا طائعين عبارة عن أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما، وقيل: بل ذلك حقيقة وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ وإنما جمع طائعين جمع العقلاء لوصفهما بأوصاف العقلاء ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ﴾ أي صنعهنّ والضمير للسمٰوات السبع، وانتصابها على التمييز تفسيراً للضمير، وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل، فهو كقولك: الجذوع انكسرت، وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله: ﴿طَآئِعِينَ﴾، لأنه وصفهما بالطوع، وهو فعل العقلاء فعاملهما معاملتهم فهو كقوله في سورة يوسف [٤]: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ وأعاد ضمير التثنية في قوله: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا﴾ لأنه جعل الأرض فرقة والسماء أخرى ﴿وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ أي أوحى إلى سكانها من الملائكة، وإليها نفسها ما شاء من الأمور، التي بها قوامها وصلاحها، وأضاف الأمر إليها لأنه فيها ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم، وهي زينة للسماء الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السمٰوات ﴿وَحِفْظاً﴾ تقديره: وحفظناها حفظاً ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب