الباحث القرآني

﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، [وقرأ الباقون] بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب. وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] ﴿كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ﴾ ذكرنا الكبائر في النساء [٣١] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك. ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها. وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. أما صفات عمر فقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ لأن عثمان لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً﴾ [الزمر: ٩] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله ﷺ المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله ﷺ في الحسن: إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وقوله: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ﴾ إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي ﷺ على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزاً من الزيادة عليها ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾ وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزاً ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ﴾ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عمياً فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدراً ﴿يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفاً من كلام الله تعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.