الباحث القرآني

﴿ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ يعني ظن السوء بالمسلمين، وأما ظن الخير فهو حسن ﴿إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ قيل: في معنى الإثم هنا الكذب لقوله ﷺ: الظن أكذب الحديث، لأنه قد لا يكون مطابقاً للأمر، وقيل: إنما يكون إثماً إذا تكلم به وأما إذا لم يتكلم به فهو في فسحة لأنه لا يقدر على دفع الخواطر، واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة سد الذرائع في الشرع، لأنه أمر باجتناب كثير من الظن، وأخبر أن بعضه إثم باجتناب الأكثر من الإثم احترازاً من الوقوع في البعض الذي هو إثم ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ أي لا تبحثوا عن مخبآت الناس وقرأ الحسن: تحسسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير، وقيل: التجسس ما كان من وراء والتحسس بالحاء الدخول والاستعلام ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه، والغيبة هي ما يكره الإنسان ذكره من خُلُقه أو خَلْقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: الغيبة أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره، قيل يا رسول الله وإن كان حقاً، قال إذا قلت باطلاً فذلك بهتان، وقد رُخص في الغيبة في مواضع منها: في التجريح في الشهادة، والرواية، والنكاح، وشبهه وفي التحذير من أهل الضلال. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وقرأ نافع: مَيِّتاً شبه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتاً، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم، ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتاً لأن الجيفة مستقذرة، ويجوز أن يكون ميتاً حال من الأخ أو من لحمه، وقيل: فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير. كأنه لما قررهم قال: هل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً أجابوا فقالوا: لا نحب ذلك فقال لهم. فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تشبهه، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه، وعلى هذا المحذوف يعطف قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، قال أبو علي الفارسي، وقال الرماني: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل، وهو أحق أن يجاب لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل، وقال الزمخشري: في هذه الآية مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتاً، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله أخاً له.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.