الباحث القرآني

﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ في سبب نزولها روايتان؛ أحدهما: «أن رسول الله ﷺ جاء يوماً إلى بيت زوجه حفصة بنت عمر بن الخطاب، فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية فجامعها في البيت، فجاءت حفصة فقالت: يا رسول الله ما كان في نسائك أهون عليك مني. أتفعل هذا في بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله ﷺ مترضياً لها: أيرضيك أن أحرمها، قالت: نعم، فقال: إني قد حرّمتها.» والرواية الأخرى: «أن رسول الله ﷺ كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً؛ فاتفقت عائشة وحفصة وسودة بنت زمعة على أن تقول من دنا منها: أكلت مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو كريه الريح، ففعلن ذلك، فقال رسول الله ﷺ: لا ولكني شربت عسلاً، فقلن له: جرست نحله العرفط، فقال رسول الله ﷺ: لا أشربه أبداً. وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا أسقيك من ذلك فقال: لا حاجة لي به، فنزلت الآية عتاباً له على أن يضيق على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل» ، والرواية الأولى أشهر، وعليها تكلم الناس في فقه السورة، وقد خرج الرواية الثانية البخاري وغيره. ولنتكلم على فقه التحريم، فأما تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ما عدا النساء، فلا يلزم، ولا شيء عليه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة الكفارة، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينوِ به ذلك لم يلزم. وكان حكمه ما ذكرنا في الطعام. أما تحريم الزوجة فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة: فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين. وقال مالك في المشهور عنه: ثلاثة تطليقات في المدخول بها وينوي في غير المدخول بها فيحكم بما نوى من طلقة أو اثنتين أو ثلاث، وقال ابن الماجشون، هي ثلاث في الوجهين، وروي عن مالك أنها طلقة بائنة، وقيل طلقة رجعية. ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل الله لك، يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله غفر له ما عاتبه عليه من التحريم، على أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما وقع العتاب على تضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كن له فيه أرب، وبئس ما قال الزمخشري في أن هذا كان منه زلة؛ لأنه حرّم ما أحل الله، وذلك قلة أدب على منصب النبوة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.