الباحث القرآني

﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ أي من كان في صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ﴾ ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾، وغير ذلك ﴿هَدَانَا لِهَـٰذَا﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ﴾ و ﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا﴾، و﴿أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ﴾ و ﴿أَن سَلٰمٌ﴾: يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي أعلم معلم وهو ملك ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] ﴿ٱلأَعْرَافِ﴾. قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿رِجَالٌ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَٰهُمْ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَٱبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلٱمٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَٱرُهُمْ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿جَمْعُكُمْ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي استكباركم على النار أو استكباركم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ﴾ استفهامية أو نافية ﴿أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَٰهُمْ﴾ أي نتركهم ﴿كَمَا نَسُواْ﴾ الكاف للتعليل ﴿وَمَا كَانُواْ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿جِئْنَٰهُمْ بِكِتَٰبٍ﴾ يعني القرآن ﴿فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.