الباحث القرآني

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ روي أن النبي ﷺ قال: لما نزلت إذاً لا أرضي أن يبقى واحد من أمتي في النار، قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، وقال ابن عباس: رضاه أن الله وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم وقيل: رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره. والصحيح أنه وعد يعمُّ كل ما أعطاه الله في الآخرة، وكل ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾ عدد الله نعمه عليه فيما مضى من عمره، ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوي رجاؤه ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين وهي بمعنى علم؛ فالمعنى ألم تكن يتيماً فآواك. وذلك أن والده عليه السلام توفي وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو ابن خمسة أعوام، وقيل: ثمانية فكفله جدّه عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عاماً فكفله عمه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق: لم نشأ النبي ﷺ يتيماً؟ فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ فيه ستة أقوال: أحدها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه أنه لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصوماً من ذلك قبل النبوة وبعدها. والثاني: وجدك في قوم ضلاّل، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول. والثالث: وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة. الرابع: وجدك حامل الذكر لا تعرف فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود. الخامس: أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه ﷺ ضلّ في بعض شعب مكة، وهو صغير فردّه الله إلى جده، وقيل: بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب. السادس: أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محباً لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، ﴿تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾ العائل: الفقير يقال: عال الرجل فهو عائل إذا كان محتاجاً، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا الفقر والغنى هو في المال، وغناؤه ﷺ هو أن أعطاه الله الكفاف، وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل: المعنى وجدك فقيراً إليه فأغناك به ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾ أي لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي يعمّ جميعها ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ النهر هو الانتهار والزجر، والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٨] ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال، وهذا هو الأظهر والسائل عن العلم والدين. وفي قوله تقهر وتنهر لزوم ما لا يلزم من التزام الهاء قبل الراء. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قيل: معناه بثّ القرآن وبلغ الرسالة والصحيح أنه عموم جميع النعم قال رسول الله ﷺ "التحدث بالنعم شكر" ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا ولقد صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز، وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا فقابل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً﴾ بقوله: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾، وقابل قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ﴾ بقوله: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾، على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ على القول الآخر، وقابل: قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾ بقوله: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ على القول الأظهر، وقابله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ على القول الآخر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب