الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ ... الآية، فَلَوْلا: هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تهتد، وهذا نحو قوله سبحانه: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [يس: 30] ، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ. وقوله: أُولُوا بَقِيَّةٍ: أي: أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ وإِنما قيل: بَقِيَّةٍ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول. والْفَسادِ فِي الْأَرْضِ: هو الكُفْر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم استثنى عزَّ وجلَّ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، وقَلِيلًا استثناء مُنْقطعٌ، أيْ: لكن قليلاً ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و «المُتْرَف» : المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ منه سبحانه وتعالى عن ذلك، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً: أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر قاله قتادة [[أخرجه الطبري (7/ 137) برقم: (18712) نحوه، وذكره ابن عطية (3/ 215) .]] ، ولكنه عزَّ وجلَّ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، أي: بأن هداه إِلى الإِيمان وقوله تعالى: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ: قال الحسن: أي: وللاختلاف خلقهم [[أخرجه الطبري (7/ 139) برقم: (18733) ، وذكره ابن عطية (3/ 215) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» ((3/ 645) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 215) .]] : وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا: وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي: لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال: خَلَقَهُمْ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا. وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في لَأَمْلَأَنَّ: لام قسم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.