الباحث القرآني

وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ... الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور: «فَعَمِيَتْ» [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 164) ، و «البحر المحيط» (5/ 217) ، و «الدر المصون» (4/ 93) . وقد قرأ الأخوان، وحفص بالتشديد، هكذا «فعمّيت» ، وحجتهم في حرف عبد الله: «فعمّاها عليكم» . ينظر: «حجة القراءات» (338) ، و «السبعة» (332) ، و «الحجة» (4/ 322) و «إعراب القراءات» (1/ 279) ، و «شرح شعلة» (426) ، و «العنوان» (107) ، و «إتحاف» (2/ 124) .]] ولذلك وجهان من المعنَى: أحدهما: خَفِيَتْ. والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها. وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ. وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 166) .]] : وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه. ت: وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] ، وانظر قوله عليه السلام: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ» [[أخرجه البخاري (1/ 624) كتاب «الصلاة» باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، حديث (428) ، ومسلم (3/ 1431) كتاب «الجهاد» باب: غزوة الأحزاب، حديث (127/ 1805) من حديث أنس بن مالك.]] ، وقَوْلُهُ تعالَى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور: 33] ، فههنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً ... الآية [البقرة: 180] . وقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: إِنِّي إِذاً لو فعلت ذلك، لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وقولهم: قَدْ جادَلْتَنا: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: بِما تَعِدُنا العذابَ والهلاكَ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: بمفلتين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب