الباحث القرآني

وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ... الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار. وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: 32] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور» ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل] لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ [[البيت في «ديوانها» ص: (43) ، و «الأشباه والنظائر» (6/ 231) ، و «أمالي المرتضى» (1/ 205) ، و «الإنصاف» (2/ 468) ، و «أوضح المسالك» (3/ 314) ، «الحماسة البصريّة» (1/ 227) ، و «خزانة الأدب» (5/ 41- 42، 44) ، و «الدر» (6/ 14) ، و «سمط اللآلي» ص: (548) ، و «شرح أبيات سيبويه» (2/ 16) ، و «شرح التصريح» (2/ 116) ، و «الكتاب» (1/ 202) ، (2/ 57- 58، 64) ، -[.....]]] ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل] يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ... وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا [[البيت من الطويل، وهو لمالك بن الريب في «ديوانه» ص: (46) ، و «خزانة الأدب» (2/ 338) ، (5/ 46) ، و «شرح شواهد المغني» (2/ 630) ، و «لسان العرب» (3/ 91) (بعد) ، وبلا نسبة في «مغني اللبيب» (1/ 247) .]] وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ [[ينظر: «مصادر القراءة السابقة» ، و «الشواذ» ص: (65) ، و «المحتسب» (1/ 327) ، و «الكشاف» (2/ 425) .]] فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ. قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى. وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير. وقال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 204) .]] : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ. قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ. وجوَّز ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 205) .]] : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى. وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا. وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد في كلام العرب: العطيّة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.