الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي: المعنى: أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضاً صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما جاءه وكلَّمه قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (3/ 1091) .]] : قوله: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: أي: متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أمَّا أمانته فلظهورِ برائته، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته: ونَزَاهَتِهِ/ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ عليه السلام من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه والاستعانة بِنَظَرِهِ، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، لما في ذلك من مصالح العباد. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 255- 256) .]] : وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه عليه السلام في رغبته في أن يقع العدلُ، وجائزٌ أيضاً للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بالحقّ، إذا جهل أمره، والخزائن: لفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ: الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ [[أخرجه الطبري (7/ 242) برقم: (19466) ، وذكره البغوي (2/ 433) ، وابن عطية (3/ 256) ، وابن كثير (2/ 482) ، والسيوطي (4/ 46) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوساً، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيراً مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْراً، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضاً أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره [[أخرجه الطبري (7/ 242) برقم: (19469) ، وذكره البغوي (2/ 433) ، وابن عطية (3/ 256) ، والسيوطي (4/ 44) ، وعزاه لابن جرير.]] ، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ: هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئاً، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها، ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين. وقوله: «لِيُوسُفَ» : أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ. انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.