الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، وال رَواسِيَ: الجبالُ الثابتة. وقوله سبحانه: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: «الزَوْجِ» في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ... الآية [يس: 36] ، ومنه: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: 7] ، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن اتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارّ في معنى الآية، وقِطَعٌ: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 293) ، و «البحر المحيط» (5/ 356) ، و «الدر المصون» (4/ 225) .]] : «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع- عطفاً على «قِطَعٌ» ، وقرأ نافع [[ينظر: «الحجة» (5/ 5- 6) ، و «إعراب القراءات السبع» (1/ 320) ، و «حجة القراءات» (369) ، و «الإتحاف» (2/ 160) ، و «المحرر الوجيز» (3/ 293) ، و «البحر المحيط» (5/ 356) ، و «الدر المصون» (4/ 225) ، و «شرح الطيبة» (4/ 391) ، و «العنوان» (113) ، و «شرح شعلة» (444) ، و «معاني القراءات» (55) .]] وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صنوان» بالخفض في الكل- عطفاً على «أعناب» ، وقرأ ابن كثير وغيره: / «وزرعٌ» - بالرفع في الكل- عطفا على «قطع» ، وصِنْوانٌ: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان» : المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فرداً فرداً [[أخرجه الطبري (7/ 334) برقم: (20087) ، وذكره ابن عطية (3/ 294) ، والسيوطي (4/ 83) ، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]] وفي «الصحيحِ» : «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ» ، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع تظهر فيها غرابةُ اختلاف الأَكْلِ، والْأُكُلِ- بضم الهمزة-: اسم ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري [[ينظر: «الطبري» (7/ 332) .]] عن ابن عبَّاس وغيره: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ: أي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ [[أخرجه الطبري (7/ 332) برقم: (20071- 20072) ، وذكره ابن عطية (3/ 294) ، والسيوطي (4/ 83) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] ، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ [[أخرجه الطبري (7/ 332) برقم: (20078) ، وذكره ابن عطية (3/ 294) ، والسيوطي (4/ 83) ، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر» (3/ 294) .]] : وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحاً وخبثاً، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ. قال الحسن: فو الله، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [[أخرجه الطبري (7/ 336) برقم: (20113) ، وذكره ابن عطية (3/ 295) ، والسيوطي (4/ 84) ، وعزاه لابن جرير.]] [الإسراء: 82] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.