الباحث القرآني

وقوله سبحانه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ: بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: «لا إله إِلا اللَّه» ، والإِقرارُ بالنبوَّة، وهذه الآية تعمُّ العالَمَ مِنْ لدنْ آدم عليه السلام إِلى يوم القيامةِ. قال طَاوُسٌ، وقتادة، وجمهور من العلماء: الْحَياةِ الدُّنْيا هي مدَّة حياةِ الإِنسان، وَفِي الْآخِرَةِ وَقْتُ سؤاله في قَبْرِهِ [[أخرجه الطبري (7/ 451) برقم: (20776) بنحوه، وذكره ابن عطية (3/ 337) ، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 535) ، والسيوطي في «الدر المنثور» ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، وقال البَرَاء بنَ عَازِبٍ وجماعة: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: هي وقتُ سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبيّ ﷺ في لفظ متأوَّلٍ، وفي الآخرة: هو يوم القيامة عندَ العَرْض، والأولُ أحسن، ورجَّحه الطبريُّ. ت [[أخرجه الطبري (7/ 449) برقم: (20763) بنحوه، وذكره البغوي (3/ 34) ، وذكره ابن عطية (3/ 337) ، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 532) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 148) ، وعزاه لابن أبي شيبة.]] : ولفظ البخاريِّ عن البراءِ بْنِ عازِبٍ/ أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» . انتهى، وحديثُ البَرَاءِ خَرَّجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه [[أخرجه البخاري (3/ 274) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في عذاب القبر، حديث (1369) ، وفي (8/ 229) كتاب «التفسير» باب: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، حديث (4699) ، ومسلم (4/ 2201) كتاب «الجنة» باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، حديث (73/ 2871) ، وأبو داود (2/ 651) كتاب «السنة» باب: في المسألة في القبر وعذاب القبر، حديث (4750) ، والترمذي (5/ 295- 296) ، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة إبراهيم، حديث (3120) ، والنسائي (4/ 101) كتاب «الجنائز» باب: عذاب القبر، حديث (2057) ، وابن ماجه (2/ 1427) كتاب «الزهد» باب: ذكر القبر والبلى برقم: (4269) ، والطيالسي (2/ 20- منحة) برقم: (1959) . كلهم من طريق سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 146) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.]] ، قال صاحب «التذكرة» [[ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 166) .]] : وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هريرة وابن مسعود وابنُ عباس وأبو سَعِيدٍ الخدريُّ قال أبو سعيد الخدريّ: كنّا في جنازة مع النبيّ ﷺ فقال: «يا أيّها النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا فإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ ... » الحديثَ، وفيه: فَقَالَ بَعْضُ أصحاب النّبيّ ﷺ: مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مطراق إلّا هبل، فقال النّبيّ ﷺ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ [[أخرجه أحمد (3/ 233) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (2/ 417- 418) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 51) ، وقال: رواه أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 149) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن مردويه، والبيهقي في «عذاب القبر» ، وقال السيوطي: سنده صحيح.]] انتهى. قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البِرِّ: وُروِّينا من طرق أنّ رسول الله ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ بِكَ يَا عُمَرُ، إِذَا جَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، إِذَا مُتَّ، وانطلق بِكَ قَوْمُكَ، فَقَاسُوا ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ وشِبْراً في ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ، ثُمَّ غَسَّلُوكَ، وَكَفَّنُوكَ، وَحَنَّطُوكَ، ثُمَّ احتملوك، فَوَضَعُوكَ فِيهِ، ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ، فَإِذَا انصرفوا عَنْكَ أَتَاكَ فَتَّانَا الْقَبْرِ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، أَصْواتُهُمَا كَالرَّعْدِ القَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالبَرْقِ الخَاطِفِ يَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا، مَعَهُمَا مِرْزَبَةٌ، لَوْ اجتمع عَلَيْهَا أَهْلُ الأَرْضِ لَمْ يَقْلِبُوهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن فَرِقْنَا فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَفْرَقَ أَنُبْعَثُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: إِذَنْ أَكْفِيَكَهُمَا» ، انتهى [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 153) ، وعزاه إلى ابن أبي داود في «البعث» ، والحاكم في «التاريخ» ، والبيهقي في «عذاب القبر» .]] ، و «الظالمون» في هذه الآية: الكافرون، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ، أي: بحقِّ الملك فلا رادَّ لأَمره، ولا معقِّب لِحُكْمه، وجاءتْ أحاديثٌ صحيحةٌ في مُسَاءلة العبد في قبره، وجماعة السُّنَّة تقولُ: إِنَّ اللَّه سبْحَانه يَخْلُقُ للعَبْدِ في قَبْرِهِ إِدراكاتٍ وتحصيلاً: إِما بحياةٍ كالمتعارفة، وإِما بحضورِ النَّفْس، وإِن لم تتلبَّس بالجَسَدِ كالعُرْف، كلُّ هذا جائزٌ في قُدْرة اللَّه تَبَارَكَ وتعالى غير أنَّ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ «أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ» ، ومنها: أنه يرى الضوء كَأَنَّ الشمْسَ دَنَتْ للغروب، وفيها أنه يُرَاجَعُ، وفيها: «فَيُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ» ، وهذا كلُّه يتضمَّن الحياةَ، فسُبْحَانَ مَنْ له هذه القدرة العظيمة، وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً: المراد ب الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ: كَفَرَةُ قُريشٍ، وقد خرَّجه البخاريُّ وغيره مسنداً عن ابن عباس [[أخرجه البخاري (4700) ، والطبري (7/ 454) برقم: (20796) ، وذكره البغوي (3/ 35) ، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 538) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 156) ، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» .]] انتهى، والتقديرُ: بدَّلوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْراً، ونِعْمَةُ اللَّه تعالى في هذه الآية: هو محمّد ﷺ ودِينُهُ، وَأَحَلُّوا/ قَوْمَهُمْ، أي: مَنْ أطاعهم، وكأنَّ الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، والْبَوارِ: الهلاك، قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في قَتْلَى [[أخرجه الطبري (7/ 455) برقم: (20813) ، وذكره ابن عطية (3/ 338) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 157) ، وعزاه لابن جرير.]] بدْر، و «الأنداد» : جمع نِدٍّ، وهو المثيلُ، والمرادُ: الأصنام، واللام في قوله: لِيُضِلُّوا- بضم الياء-: لام كَيْ، وبفتحها: لام عاقبة وصيرورة، والقراءتان [[وتفصيل هذه القراءة على ما يلي: قرأ أبو كثير وأبو عمرو: «ليضلوا» بفتح الياء، أي: ليصيروا هم ضلّالا. وحجتهما: قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النحل: 30] . وقرأ الباقون: «ليضلوا» بضم الياء، أي: ليضلوا غيرهم، وحجتهم: أن الله سبحانه وصفهم قبل بأنهم ضالون في أنفسهم، فقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، فكان الحال يقتضي زيادة معنى، وهو: أنهم لم يتوقفوا عن ضلالهم هم، بل عدوه إلى غيرهم. ينظر: «شرح الطيبة» (4/ 396) ، و «العنوان» (115) ، و «حجة القراءات» (378) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 169) .]] سبعيّتان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.