الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَسَكَنْتُمْ ... الآية: المعنَى: بقول اللَّه عزَّ وجلَّ: وسكَنْتُم أيها المُعْرِضُون عَنْ آيات اللَّه مِنْ جميعِ العالمِ في مَسَاكِن الذين ظَلَمُوا أنفسهم بالكُفْر من الأمم السَّالفة، فنزلَتْ بهم المثلات، فكان حَقُّكُم الاعتبار والاتعاظ. وقوله: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائي [[ومعنى قراءة الكسائي حينئذ: وقد كان مكرهم يبلغ في المكيدة إلى إزالة الجبال، غير أن الله ناصر دينه، ومزيل مكر الكفار وماحقه، وحجته قراءة علي وابن مسعود: «وإن كاد مكرهم لتزول» ، بالدال، واللام في قراءة الجمهور لام الجحود، والمعنى: ما كان مكرهم ليزول به أمر النبي ﷺ، وأمر دين الإسلام. وحجتهم ما روي عن الحسن: «كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال» . ينظر: «السبعة» (363) ، و «الحجة» (5/ 31) ، و «معاني القراءات» (2/ 65) ، و «إعراب القراءات» (1/]] : «وإن كان مكرهم لتزول» - بكسر اللام من «لِتَزُولَ» وفتح الأخيرة- وهذا على أن تكون «إِنْ» نافيةً بمعنى «مَا» ، ومعنى الآية تحقيرُ مَكْرِهم، وأنه مَا كَانَ لِتَزُولَ منه الشرائعُ والنبوَّاتُ وإِقدارُ اللَّه بها التي هي كالْجِبَالِ في ثبوتها وقوَّتها، هذا تأويلُ الحَسَن وجماعة المفسِّرين [[أخرجه الطبري (7/ 477) برقم: (20937) ، وذكره البغوي (3/ 40) ، وابن عطية (3/ 346) ، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 542) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 165) ، وعزاه لابن جرير.]] وتحتملُ عندي هذه القراءةُ أنْ تكونَ بمعنى تَعْظِيمِ مَكْرهم، أي: وإِن كان شديداً، وقرأ الكسائيّ: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» - بفتح اللام الأولَى من لَتَزُولُ، وضمِّ الأخيرة-، وهي قراءة ابن عبَّاس [[نعم، قرأها هكذا ابن عباس، وابن مسعود، وعلي، وعمر، وأبيّ، وأبو إسحاق السبيعي، ولكن بإبدال «كاد» مكان «كان» . ينظر: «الشواذ» ص: (74) ، و «المحتسب» (1/ 365) ، و «المحرر الوجيز» (3/ 346) ، و «البحر المحيط» (5/ 426) ، و «الدر المصون» (4/ 280) .]] وغيره، ومعنى الآية: تعظيمُ مكرِهِمْ وشدَّتُه، أي: أنه مما يشقى به، ويزيلُ الجبالَ عن مستقرَّاتها، لقوَّته، ولكنَّ اللَّه تعالى أبطله ونَصَرَ أولياءه، وهذا أشَدُّ في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيٌّ: «وإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ» ، وذكر أبو حاتم أنَّ في قراءة أبيٍّ: «وَلَوْلاَ كَلِمَةُ اللَّهِ لَزَالَ مِنْ مَكْرِهِمُ الجِبَالُ» . وقوله سبحان: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ... الآية: تثبيت للنبيِّ ﷺ ولغيره من أمَّته، ولم يكُنِ النبيُّ عليه السلام ممَّن يَحْسَبَنَّ مثْلَ هذا، ولكنْ خَرجَتِ العبارةُ هكذا، والمراد بما فيها من الزجْرِ غَيْرُهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: لا يمتنعُ منْه شيء، ذُو انتِقامٍ: من الكفرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.