الباحث القرآني

وقوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ... ، الآية: يَوْمَ ظِرفٌ للانتقامِ المذْكُورِ قبله، وروي في تَبْدِيلِ الأرض أَخْبَارٌ منها في الصَّحِيحِ: «يُبَدِّلُ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْضَ بأَرْضٍ عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا قرصة نَقي» ، وفي الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُهَا خُبْزَةً يأكل المؤمن منها من تَحْتِ قَدَمَيْهِ» [[أخرجه البخاري (11/ 379) كتاب «الرقاق» باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، حديث (6519) من حديث أبي سعيد الخدري.]] وروي أنها تبدَّلُ أَرضاً من فِضَّةٍ، وروي أنها أرض كالفضَّة مِنْ بياضها، وروي أنها تبدَّل من نارٍ. قال ع [[ينظر: «المحرر» (3/ 347) .]] : وسمعتُ من أبي رحمه اللَّه أنه روي أنَّ التبديل يَقَعُ في الأرضِ، ولكنْ يبدَّل لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يكُونُ على خُبْزٍ يأكُلُ منه بحَسَبِ حاجته إِليه، وفريقٌ يكونُ على فضَّة، إِن صحَّ السند بها، وفريقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ على نارٍ، ونحو هذا ممَّا كله واقِعٌ تحْتَ قدرةِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، وأكثر المفسِّرين على أنَّ التبديلَ يكونُ بأرضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فيها، ولا سُفِكَ فِيهَا دَمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا معلم لأحد، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «المؤمنون وقْتَ التبديل في ظلِّ العرش» ، وروي عنه أنه قال: «النَّاسُ وقْتَ التبديل/ على الصِّراط» ، ورُوِيَ أنه قال: الناسُ حينئذٍ أضْيَافُ اللَّهِ، فلا يُعْجِزُهُم ما لَدَيْهِ» [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (7/ 483) برقم: (20976) ، عن أبي أيوب الأنصاري به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 169) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الدلائل» .]] وفي «صحيح مسلم» من حديث ثَوْبَان في سؤال الحَبْرِ، وقوله: يا مُحَمَّدُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسموات؟ فقال ﷺ: «هُمْ فِي الظُلْمَةِ دُونَ الجسر» [[أخرجه مسلم (2/ 230- 231- نووي) ، كتاب «الحيض» باب: بيان صفة مني الرجل والمرأة، حديث (34/ 315) ، والبيهقي (1/ 169) من حديث ثوبان به.]] الحديثَ بطوله، وخرَّجه مسلمٌ وابنُ مَاجَه جميعاً، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، ثم أسنَدَا عن عائشة، قالت: «سئل النّبيّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسِ؟ قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ» [[أخرجه مسلم (4/ 2150) كتاب «صفات المنافقين» باب: في البعث والنشور، حديث (29/ 279) ، والترمذي (5/ 296) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة إبراهيم، حديث (3121) ، وابن ماجه (2/ 1430) كتاب «الزهد» باب: ذكر البعث، حديث (4279) ، وأحمد (6/ 35، 218) ، والدارمي (2/ 328) ، وابن حبان (331) ، والحاكم (2/ 352) من حديث عائشة به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: وقد وهما في ذلك فقد أخرجه مسلم. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 167) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.]] ، وخرَّجه الترمذيُّ من حديث عائشة، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] ، فَأَيْنَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ» [[انظر الحديث السابق.]] ، قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح. انتهى من «التذكرة» [[ينظر: «التذكرة» (1/ 263) .]] . وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ: أي الكفّار، ومُقَرَّنِينَ: أي: مربوطين في قَرْنٍ، وهو الحَبْلُ الذي تشدّ به رؤوس الإبل والبقر، والْأَصْفادِ: هي الأغلال، واحِدُها صَفَد، والسَّرابيل: القُمُصُ، وال قَطِرانٍ: هو الذي تهنأ به الإِبل، وللنار فيه اشتعال شديدٌ، فلذلك جعل اللَّهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ منه، وقرأ عمر بن الخطاب وعليٌّ وأبو هريرة وابنُ عبَّاس وغيرهم [[وقرأ بها عكرمة، وعلقمة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن، وسنان بن سلمة بن المحبّق، وعمرو بن عبيد، والكلبي، وأبو صالح، وعيسى بن عمر الهمداني، وقتادة، والربيع بن أنس، وعمرو بن فائد. ينظر: «الشواذ» ص: (74) ، و «المحتسب» (1/ 366) ، و «المحرر الوجيز» (3/ 348) ، و «البحر المحيط» (5/ 428) ، و «الدر المصون» (4/ 283) .]] : «مِنْ قِطْرٍ آنٍ» ، والقِطْر: القَصْدِير، وقيل: النُّحَاس، وروي عن عمر أنَّه قال: ليس بالقَطِرَانِ، ولكنَّه النُّحَاس يسر بلونه [[ذكره ابن عطية (3/ 348) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 170) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، و «آن» : صفة، وهو الذائبُ الحارُّ الذي تناهَى حَرُّه قال الحَسَن: قد سُعِّرَتْ عليه جهنَّم منْذُ خُلِقَتْ، فتناهَى حَرُّه [[أخرجه الطبري (7/ 486) برقم: (20993) ، وذكره ابن عطية (3/ 348) .]] . وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ... الآية: جاء من لفظة الكَسْب بما يعم المُسِيءَ والمُحْسِنَ لينبِّه على أنَّ المحسن أيضاً يجازَى بإِحسانه خيراً. وقوله سبحانه: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ... الآية: إِشارةٌ إِلى القرآن والوعيدِ الذي تضمنَّه، والمعنى: هذا بلاغٌ للناس، وهو لينذروا به وليذَّكَّر أولو الألباب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.