الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: أيْ: ذاتَ لقح يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحة، قال الداوديّ: وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ، أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر. انتهى. وقوله جلَّت عظمته: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ... الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قالَ ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ امرأة تصلِّي خلف رسول الله ﷺ، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ [[أخرجه الترمذي (5/ 296) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الحجر، حديث (3122) ، وأحمد (1/ 305) ، والنسائي (2/ 118) كتاب «الإمامة» باب: المنفرد خلف الصف، حديث (870) ، وابن ماجه (1/ 332) كتاب «الصلاة» باب: الخشوع في الصلاة، حديث (1046) ، والطيالسي (2/ 20- منحة) رقم: (1960) ، وابن خزيمة (1696- 1697) ، وابن حبان (1749- موارد) ، والحاكم (2/ 353) ، والبيهقي (3/ 78) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 171) رقم: (12791) ، من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس مرفوعا به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وينظر: «الدر المنثور» (4/ 180) .]] ، ثم قال ابنُ العربيِّ: في شَرْحِ المراد بهذه الآية خمسة أقوال: أحدها: هذا. القول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة [[أخرجه الطبري (7/ 507) برقم: (21116) بنحوه، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 549) .]] . الثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي قاله ابن عبّاس أيضا [[أخرجه الطبري (7/ 508) برقم: (21121) ، وذكره البغوي (4813) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 181) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] . الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد ﷺ قاله مجاهد [[أخرجه الطبري (7/ 509) برقم: (21129) ، وذكره البغوي (4813) .]] . الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية [[أخرجه الطبري (7/ 509) برقم: (21132) ، وذكره ابن عطية (3/ 358) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (4/ 181) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] . انتهى. ت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه. انتهى، وباقي الآية بيّن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.