الباحث القرآني

[[هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان. وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات. ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة. يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده، وانتظارهم لبيان مقصده، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] الآيات. فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين- ابتدئ بذكرهم، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء، والمنافقين، لف الفريقان لفا واحدا، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم، ورد مطاعنهم، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم، فكان ذلك من رد العجز على الصدر، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم، ومنّه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل-- العلم، ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: 40] الآيات، فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم، ووصف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا بلغ بهم حد الكفر، وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل وبيان أخطائهم لأن ذلك يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم. وذكر من ذلك نموذجا من أخلاقهم في تعلق الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96] ومحاولة العمل بالسحر وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: 102] إلخ، وأذى النبي بموجبة الكلام لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: 104] . ثم قرن اليهود والنصارى والمشركين في قرن حسدهم المسلمين والسخط على الشريعة الجديدة ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ- إلى قوله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 105- 112] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ- إلى- يَخْتَلِفُونَ [البقرة: 112] ثم خص المشركين بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسمحوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام. والاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة، ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذكر شعائر الله بمكة، وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وإن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما. ثم عاد إلى محاجة المشركين بآثار صنعة الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ [البقرة: 164] إلخ ومحاجة المشركين في يوم يتبرءون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 172] وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل، وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: 204] . ولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالا بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] ثم تفصيلا: القصاص، الوصية، الصيام، الاعتكاف، الحج، الجهاد، ونظام المعاشرة والعائلة والمعاملات المالية، والإنفاق في سبيل الله والصدقات، والمسكرات، واليتامى، والمواريث، والبيوع، والربا، والديون، والإشهاد، والرهن، والنكاح، وأحكام النساء والعدة والطلاق، والرضاع، والنفقات، والأيمان. وختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم فكان هذا الختام تذليلا وفذلكة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة: 284] الآيات. وكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سيقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات تجديدا-]] هذه السورة مدنيّة نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ، وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281] ، ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن» ، وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمّنت من الأحكام والمواعظ، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل، وأعطيت طه والطّواسين [[وهي السور المبدوءة ب «طس» أو «طسم» .]] من ألواح موسى [[«موسى» اسم عبراني معرب عن «موشى» ، «مو» بالعبرانية: الماء، و «شى» الشجر، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر. وهو اسم نبي بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وهو علم أعجمي لا يقضى عليه بالاشتقاق، وإنما يشتق «موسى الحديد» . ينظر: «التبيان» (1/ 63) . وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل. «الكامل» لابن الأثير (1/ 169) .]] ، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش» [[أخرجه الحاكم (1/ 561) ، (2/ 259) ، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 485) ، رقم (2478) ، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار به مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه.]] . ت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحديث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة. خرّج الحاكم أبو عبد الله [[محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب «المستدرك» ، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة (321) ، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد النيسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة (405) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 193) ، «لسان الميزان» (5/ 232) .]] في «المستدرك على الصحيحين» عن معقل بن يسار [[معقل بن يسار المزني، أبو علي، بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر، ومسلم بحديثين وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية. ينظر: «الخلاصة» (3/ 45) ، و «تهذيب التهذيب» (10/ 235) ، و «الثقات» (3/ 392) .]] رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعملوا بالقرآن أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتّوراة والإنجيل والزّبور وما أوتي النّبيّون من ربّهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنّه شافع مشفّع، وما حل» مصدّق، وإنّي أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل وأعطيت طه والطّواسين والحواميم [[يعني السور المبدوءة ب «حم» .]] من الواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» [[أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 578) كتاب «معرفة الصحابة» باب معقل بن يسار وسكت عنه هو والذهبي.]] ، ما حل بالمهملة، أي: ساع، وقيل: خصم. انتهى من «السّلاح» . وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنّهما غيايتان [[الغياية: السحابة المنفردة، أو هي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه. ينظر: «النهاية» (3/ 403) ، و «لسان العرب» (3332) .]] ، بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» [[سيأتي تخريجه.]] . ت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهليّ [[هو: صدي بن عجلان بن الحارث وقيل: عجلان بن وهب ... أبو أمامة. الباهلي. السهمي. سكن «مصر» ثم انتقل منها فسكن «حمص» من الشام، ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. وقال ابن الأثير في موضع آخر. روى عنه سليم بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو غالب حزور، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد، وغيرهم. توفي سنة (81) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 16) ، (6/ 16) ، «الإصابة» (7/ 9) ، «الاستيعاب» (4/ 1602) «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 148) ، «بقي بن مخلد» (17) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 415) .]] رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران فإنّهما يأتيان كأنّهما غمامتان، أو كأنّهما غيايتان، أو كأنّهما فرقان [[الفرقان: القطعتان. ينظر: «النهاية» (3/ 440) .]] من طير صوّاف يحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» ، قال معاوية [[هو: معاوية بن صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن. القرشي. الأموي. أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والقول الأول أشهر على الصحيح من الأقوال. وهو خال المؤمنين، وكاتب النبي ﷺ وهو الذي طالب بدم عثمان، فكان من الحروب بينه وبين عليّ ما كان، وإسلامه وحروبه وإمارته شهيرة جدّا، ولا يتسع المقام للحديث عنه. توفي في رجب سنة (60) هـ. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 209) ، «الإصابة» (6/ 112) ، «الاستيعاب» (3/ 1416) ، «الاستبصار» (40، 67) ، «الكاشف» (3/ 157) ، «الأعلام» (7/ 261) ، «شذرات الذهب» (1/ 418) ، «العبر» (1/ 549) ، «العقد الثمين» (7/ 227) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 207) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1344) ، «التاريخ الكبير» (7/ 326) .]] : بلغني أنّ البطلة: السّحرة [[أخرجه مسلم (1/ 553) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث (252) ، وأحمد (5/ 249) ، والطبراني في «الكبير» (8/ 139) ، رقم (7544) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 395) ، كتاب «الصلاة» ، باب المعاهدة على قراءة القرآن، وفي «شعب الإيمان» (2/ 451) ، رقم (2372) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 19- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام أنه سمع أبا أمامة، فذكره. وللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان الكلابي: أخرجه مسلم (1/ 553) كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، حديث (253) ، والترمذي (5/ 160) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في سورة آل عمران، حديث (2883) . والبيهقي في «شعب الإيمان» (2373) ، عن النواس بن سمعان بنحو حديث أبي أمامة.]] ، فقوله ﷺ: «غمامتان» ، يعني: سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة. أبو عبيد: الغياية كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة، وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من «السلاح» . وروى أبو هريرة عنه ﷺ، أنه قال: «لكلّ شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيّدة آي القرآن، هي آية الكرسيّ» [[أخرجه الترمذي (5/ 157) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (2878) ، وعبد الرزاق (3/ 376- 377) ، رقم (6019) ، والحميدي (2/ 437) ، رقم (994) ، والحاكم (1/ 560- 561) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 452) ، رقم (2375) ، وابن عدي في «الكامل» (2/ 637) . كلهم من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. -[.....]- وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيع. ووافقه الذهبي. قلت: والشيخان لم يتركا حكيم لتشيعه فقط، إنما لضعفه أيضا. فقال الحافظ في «التقريب» (1468) : ضعيف، رمي بالتشيع، ولأول الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد: أخرجه أبو يعلى (13/ 547) ، رقم (7554) ، وابن حبان (1727- موارد) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 6) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 101) ، والطبراني في «الكبير» (6/ 163) ، رقم (5864) كلهم من طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به. وخالد بن سعيد، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح. والنسائي في «الكبرى» (5/ 14) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب الآيتان من سورة البقرة، حديث (8020) ، والحميدي (1/ 215) ، رقم (452) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6021) ، وابن خزيمة (2/ 180) ، رقم (1141) ، كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود به مرفوعا. وعند بعضهم: قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود في الطواف فسألته عنه، فحدثني أن رسول الله ﷺ ... ، وذكر الحديث وللحديث طرق أخرى واختلاف فيها تكلم عليها الحافظ علي بن عمر الدارقطني في كتابه القيم «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» (6/ 171- 174) .]] ، وفي «البخاريّ» أنه ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ/ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» [[أخرجه البخاري (8/ 672) ، كتاب «فضائل القرآن» : باب فضل سورة البقرة، حديث (5009) ، ومسلم (1/ 555) ، كتاب «صلاة المسافرين» : باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (255/ 807) ، وأبو داود (1/ 444) ، كتاب «الصلاة» ، باب تحزيب القرآن، حديث (1397) ، والترمذي (5/ 159) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في آخر سورة البقرة، حديث (2881) ، والنسائي في «الكبرى» ، (5/ 9) كتاب «فضائل القرآن» ، باب سورة كذا وسورة كذا، حديث (8003) ، و (5/ 14) ، باب الآيتان من آخر سورة البقرة، حديث (8018) ، وأحمد (4/ 121، 122) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص 105- 106) ، رقم (233) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6020) ، والدارمي (1/ 288) ، وسعيد بن منصور (475) ، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص- 83) ، رقم (161) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 204- 205) رقم (550، 552) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» ، (3/ 20) ، كتاب «الصلاة» ، باب كم يكفي الرجل قراءة القرآن في ليله، وفي «شعب الأيمان» (2/ 462) ، رقم (2405، 2406) ، كلهم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت أحدّث عن أبي مسعود حديثا فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: والذي حدث عبد الرحمن بن يزيد بهذا الحديث هو علقمة بلا شك فأخرجه البخاري (8/ 712) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب في كم يقرأ القرآن، حديث (5051) .]] وروى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: 9 ب «البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» [[الحديث بهذا اللفظ عن عبد الله بن المغفل ذكره الهيثمي في «معجم الزوائد» (6/ 315) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف. أما الحديث الذي ورد عن أبي هريرة في هذا المعنى، فأخرجه مسلم (1/ 539) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» .]] . ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ [[أخرجه مسلم (1/ 554) ، كتاب: «الإيمان» ، باب: في ذكر سدرة المنتهى، حديث (254/ 806) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 15) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب «الآيتان من آخر سورة البقرة» ، حديث (8021) ، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 23- بتحقيقنا) ، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.]] ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» . وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون. قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين [[إنه مما علم باستقراء كتاب الله تعالى أن تسعا وعشرين سورة من القرآن الكريم قد افتتحت بحروف مقطعة، من جنس كلام العرب. وبداية، فإن هذه الحروف لم ينقل عن العرب دلالات لها، ولو كانت لها دلالات لتواتر النقل عليها، ولنقل ذلك علماء الصحابة وأئمتهم، وهذا الأمر- أعني افتتاح السور بها- لهو في حد ذاته نوع من التحدي للقيام بالكشف عن أسرارها والتفكر فيها. ولما لم يذكر عن الغرب لها دلالات فقد كان للعلماء بشأنها موقفان: أولهما: ذهب الشعبي وسفيان الثوري، وجماعة من أهل الحديث إلى أنها سر الله في القرآن، وهي من المتشابه. وثانيهما: وهو ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم: أنه يجب أن يتكلم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها. وقد كان لابن عباس ترجمان القرآن النصيب الأوفر من الأقوال في هذه الأحرف. وجاء المفسرون من بعده، فاتسعوا في تحديد معاني هذه الفواتح، فقد ذكروا منها: أنها: -- 1- اسم الله الأعظم. 2- قسم أقسم الله به وهو من أسمائه. 3- أسماء للسور التي وردت فيها. 4- اسم من أسماء القرآن. 5- فواتح يفتح الله بها القرآن. 6- لكل كتاب سر، وسر القرآن فواتحه. 7- حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر. 8- حروف هجاء موضوع. 9- حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة. 10- ابتدئت بذلك السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين. 11- علامات لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاب يفتتح بالحروف المقطعة. 12- حروف من حساب الجمل. ينظر: «البرهان» (1/ 169) ، و «جامع البيان» (1/ 205) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 81) ، و «مفاتيح الغيب» (2/ 3) ، و «البحر المحيط» (1/ 154) .]] فقال الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت [[ذكره السمرقندي في تفسيره (1/ 87) ، والبغوي (1/ 44) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 82) ، والقرطبي (1/ 133- 134) .]] ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً. فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها [[أخرجه ابن جرير (1/ 119) ، (233) مختصرا. وذكره السمرقندي في «تفسيره» (1/ 87) ، عن علي بلفظ «وهو اسم من أسماء الله تعالى» . وابن عطية في «تفسيره» (1/ 82) ، وابن كثير (1/ 36) ، القرطبي (1/ 134) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، بلفظ «اسم الله أعظم» ، وعزاه لابن جريج وابن أبي حاتم.]] . وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها [[أخرجه ابن جرير (1/ 119) (236) ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 82) ، والبغوي (1/ 44) ، بلفظ «أنها أقسام» عن ابن عباس، والماوردي في «تفسيره» (1/ 64) وابن كثير (1/ 36) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، وعزاه لابن مردويه.]] ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى [[أخرجه ابن جرير (1/ 119) برقم (239) بلفظ: «أنا الله أعلم» . وفي (6/ 525) برقم (17534) ، -- بلفظ: «أنا الله أرى» . والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، بلفظ: «أنا الله أعلم» ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس. وفي (3/ 534) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ، وابن النجار في «تاريخه» ، وذكره القرطبي (1/ 135) ، وابن كثير (1/ 36) ، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 82) .]] ، وقال قوم: هي حسابُ أَبِي جَاد [[وأبو جاد: الكلمة الأولى من الكلمات الثماني التي تجمع حروف الهجاء العربية. ويقال: أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لقي أعرابيّا فسأله: هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم، قال: فاقرأ أم القرآن، فقال الأعرابي: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟!، فضربه عمر، وأسلمه إلى الكتّاب، فمكث حينا ثم هرب، ولما رجع إلى أهله أنشدهم [الوافر] : أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصا وقريشيات وما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين مع البنات ينظر: «المعجم الكبير» (1/ 22، 23) .]] لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد ﷺ كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب [[حييّ بن أخطب النضري: جاهلي، من الأشداء العتاة. كان ينعت ب «سيد الحاضر والبادي» . أدرك الإسلام، وآذى المسلمين فأسروه يوم «قريظة» . ثم قتلوه. ينظر: «سيرة ابن هشام» (2/ 148- 149) ، «تهذيب الأسماء» (1/ 171) ، و «الأعلام» (2/ 292) .]] ، وهو قول أبي العالية وغيره [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 82) والسيوطي في «الدر» (1/ 56) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] . ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ [[عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في «مالقة» ، وعمي وعمره (17 سنة) . ونبغ فاتصل خبره بصاحب «مراكش» فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنّف كتبه، من كتبه «الروض الأنف» في شرح «السيرة النبوية» لابن هشام، وغيرها من الكتب في التفسير. ولد سنة (508 هـ.) ، وتوفي سنة (581 هـ.) . انظر: «وفيات الأعيان» (1/ 28) ، «نكت الهميان» (187) ، «زاد المسافر» (96) «الأعلام» (3/ 313) .]] في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره. قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب. واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب. واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره. ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله: لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه. قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه: يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه: يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ. ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى. قال ص [[«المجيد» ص 84.]] : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر. انتهى. وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ [[اختلف العلماء في تعريف الرزق في عرف الشرع، فقال أبو الحسين البصري من المعتزلة: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال. فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص. واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا. وقال الأشاعرة: الحرام قد يكون رزقا، وحجتهم من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار حظا ونصيبا، فوجب أن يكون رزقا له. الثاني: أنه تعالى قال: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: 6] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا. وقد احتج المعتزلة بالكتاب، والسنة، والمعنى: أما الكتاب فعدة وجوه: أحدها: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3] مدحهم الله تعالى على الإنفاق مما رزقهم، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وهذا باطل بالاتفاق. ثانيها: قالوا: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله سبحانه: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [المنافقون: 10] ، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه، بل يجب عليه-- رده فدل ذلك على أن الحرام لا يكون رزقا. ثالثها: استدلوا بقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59] . فبين سبحانه أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله فثبت أن الحرام لا يكون رزقا. وأما السنة، فما رواه أبو الحسين البصري بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرة، فقال له: يا رسول الله! إن الله كتب علي الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من دفّي بكفي، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال عليه السلام «لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت، أي عدو الله: لقد رزقك الله رزقا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا» وأما المعنى، فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال: إنه رزقه إياه ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان الكل من الله، لكنه كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: 6] فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضا من العباد، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقا أيضا، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا لأن قوله عليه السلام: «فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه» صريح في أن الرزق قد يكون حراما. وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة، وهو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ. والله أعلم. ينظر: «الفخر الرازي» (2/ 28، 29) .]] عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع 10 أ به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.