الباحث القرآني

وقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ... الآيةَ. قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ ﷺ: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ» ، فنزلتِ الآية [[أخرجه الطبري (2/ 165) برقم (2913) ، وقال شاكر في «عمدة التفاسير» (3/ 481) : «وهذا الإسناد صحيح إلى الحسن، ولكن الحديث ضعيف لأنه مرسل لم يسنده الحسن عن أحد من الصحابة» . وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 73) ، وابن كثير (1/ 218) .]] . وأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ» ، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث ... » [[أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 218) . كتاب «القرآن» ، باب العمل في الدعاء حديث (41) .]] الحديث. ت: وليس هذا باختلاف قولٍ. قال ابن رُشْدٍ في «البيان» : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ له، وقال الحاكم: صحيحُ الإِسناد [[أخرجه ابن حبان (3/ 152- 153) رقم (871) ، والحاكم (1/ 493- 494) ، من طريق عمر بن محمد الأسلمي، عن ثابت عن أنس مرفوعا.]] ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «الدُّعَاءُ: سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيحٌ [[أخرجه الحاكم (1/ 492) ، وابن عدي في «الكامل» (6/ 2181) ، وأبو يعلى (1/ 344) رقم (439) . كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا. وليس عن أبي هريرة كما ذكره المؤلف. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 150) ، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.]] ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ- رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ ﷺ قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم 46 أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ» ، رواه الحاكم في «المستدرك» [[أخرجه الحاكم (1/ 494) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 208) ، من طريق الفضل بن عيسى، عن-- محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا. وقال الحاكم: هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي، ومحله محل من لا يتهم بالوضع، ووافقه الذهبي، والفضل بن عيسى، قال الحافظ في «التقريب» : متروك.]] . وعن ثَوْبَانَ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ» ، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد [[أخرجه ابن ماجة (2/ 1334) ، كتاب «الفتن» ، باب العقوبات حديث (1022) ، وأحمد (5/ 277، 280، 282) ، والحاكم (1/ 493) ، وابن أبي شيبة (10/ 441- 442) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 169) ، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (2/ 10) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (831) ، من حديث ثوبان مرفوعا. قال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.]] . قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد [[عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي. عن ثوبان. وعنه عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى. له عند كل منهما فرد حديث. وثقه ابن حبان. ينظر: «الخلاصة» (2/ 46) .]] ، عن ثوبان [[هو: ثوبان بن بجدد. مولى رسول الله ﷺ. قال ابن الأثير في «الأسد» : هو من «حمير» من «اليمن» ، وقيل: هو من سعد العشيرة من «مذحج» ، أصابه سباء، فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منا أهل البيت» . فثبت على ولاء رسول الله ﷺ، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فخرج إلى الشام فنزل إلى «الرملة» وابتنى بها دارا، وابتنى ب «مصر» دارا، وب «حمص» دارا، وتوفي بها سنة (54) . روى عن النبي ﷺ أحاديث ذوات عدد. روى عنه شداد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن أبي طلحة، وأبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرحبي، وغيرهم. قال البرقي: روي عنه نحو من خمسين حديثا. توفي ب «حمص» سنة (54) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 296) ، «الإصابة» (1/ 212) ، «الثقات» (3/ 48) ، «الاستيعاب» (1/ 218) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 7) ، «العبر» (1/ 59) ، «در السحابة» (759) ، «صفة الصفوة» (670) ، «الحلية» (1/ 350) ، «التحفة اللطيفة» (1/ 401) ، «الوافي بالوفيات» (11/ 21) ، «التاريخ الكبير» (2/ 181) ، «الجرح والتعديل» (2/ 469) ، «تنقيح المقال» (1578) ، «الزهد» لوكيع (140) ، «بقي بن مخلد» (34) ، «تهذيب الكمال» (1/ 176، 4/ 413) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 31) ، «تقريب التهذيب» (1/ 120) ، «مشاهير علماء الأمصار» (324) .]] ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 29) رقم (86) .]] . انتهى. وعن عائشةَ- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه» ، وقال: صحيحُ الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 492) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 453) ، وابن الجوزي في «العلل» (2/ 359) ، من طريق زكريا بن منظور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقّبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه. وقال ابن الجوزي: لا يصح، قال يحيى: زكريا ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 149) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، والبزار، وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.]] ، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ» ، أي: يتصارعان. وعن سَلْمَانِ» - رضي اللَّه عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» ، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 544) ، من طريق عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي عامر الألهاني، عن أبي هريرة مرفوعا. -- وقال الحاكم: صحيح الإسناد، احتج البخاري بابن صالح. وأبو عامر الألهاني أظنه الهوزني، وهو صدوق. ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي (3382) ، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: غريب.]] ، وعن ابْنِ عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: «من فتح له في الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» [[أخرجه الحاكم (1/ 498) . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: المليكي ضعيف.]] ، قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- في كتابِ «الإِحياء» : «فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله عز وجلّ بالتضرُّع والاستكانةِ» ، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ. ومن «جامع الترمذيِّ» . عن أبي خُزَامَةَ [[أبو خزامة. ذكره المؤلف (رحمنا الله وإياه) بغير نسبة، قال ابن الأثير: كان يسكن «الجناب» ، وهي أرض عذرة. له صحبة، عداده من أهل «الحجاز» . روى عن عطاء بن يسار. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 88) ، و «الإصابة» (7/ 51) ، و «بقي بن مخلد» (319) .]] ، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ [[أخرجه الترمذي (4/ 399- 400) ، كتاب «الطب» ، باب ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (2065) ، وابن ماجة (2/ 137) ، كتاب «الطب» ، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (3437) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]] . وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه ... » الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، والله الموفق بفضله. 46 ب وقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي/ قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ [[عبد الله بن واقد بن الحارث، الحنفي، أبو رجاء الهروي. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأبي هارون العبدي. وعنه إسحاق بن منصور السّلولي. وثقه أحمد وابن معين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 108) .]] : معناه: «فَلْيَدْعُونِي» . قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 256) .]] : المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل» ، أي: طلب الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ. وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي: بالطاعة، والعملِ [[أخرجه الطبري (2/ 166) برقم (2921) بلفظ: قوله: «فليستجيبوا لي» قال: فليطيعوا لي. قال: «الاستجابة» الطاعة، وذكره ابن عطية (1/ 256) .]] . فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ [[وهو الشيخ تاج الدين علي بن محمد بن الدريهم الموصلي، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكتابه هذا ذكره حاجي خليفة بعنوان «غاية المغنم في الاسم الأعظم» ، وذكر عنه أنه أورد فيه من الأحاديث وأقوال العلماء. ينظر: «كشف الظنون» (1194) .]] بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ [[«المجالسة» - لأحمد بن مروان الدينوري المالكي، المتوفى سنة 310 عشرة وثلاثمائة، ضمّنه من كتب الأحاديث والأخبار ومحاسن النوادر والآثار، ومنتفى الحكم والأشعار، وانتخب منه بعضهم وسماه «نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة» . ينظر: «كشف الظنون» (2/ 1591) .]] في «كتاب المُجَالَسَة» ، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم» ، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (2/ 21) .]] . انتهى. قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن» : وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطى، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب، فلا تعطى، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء. انتهى. وقوله سبحانه: وَلْيُؤْمِنُوا بِي، قال أبو رجاءٍ: في أنَّني أجيبُ دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.