الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ... الآيةَ: لفظة أُحِلَّ تقتضي أنه كان محرَّماً قبل ذلك [[ينظر: «تفسير الرازي» (5/ 88- 89) .]] ، ولَيْلَةَ: نصب على الظّرف. والرَّفَثُ: كناية عن الجِمَاع لأن اللَّه تعالى كريمٌ يُكَنِّي قاله ابن عَبَّاس [[أخرجه الطبري (2/ 167- 168) برقم (2928) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (3/ 179) برقم (13230) . وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 256) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 156) .]] وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا: ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق [[«معاني القرآن» (1/ 255) ، ولفظه: الرّفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة. وينظر: «عمدة الحفاظ» (2/ 114) .]] : الرَّفَثُ: كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍ، ولَمُسٍ [[ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 257) .]] . ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 257) .]] : أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره: إِن جماعةً من المسلمين اختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النّوم، أو بعد صلاة العشاء على الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: جاء إِلى امرأته، فأرادها/، فقالَتْ له قد نمت، 47 أفظنّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعاً، فذهب عُمَرُ، فاعتذر عنْدَ رسول الله ﷺ، فنَزَلَ صدْرُ الآية [[أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 170- 171 رقم (2943، 2948، 2949) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 357) ، وعزاه إلى أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند حسن، عن كعب بن مالك.]] ، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ [[صرمة بن قيس بن مالك، النجاري، الأوسي، أبو قيس: شاعر جاهلي، عمر طويلا، وترهب، وفارق الأوثان في الجاهلية. وكان معظما في قومه. أدرك الإسلام في شيخوخته، وأسلم عام الهجرة. ينظر: «الأعلام» (3/ 203) ، و «الإصابة» ت (4056) ، و «الروض الأنف» (2/ 21) .]] نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتى غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [[أخرجه الطبري (2/ 170- 171- 173) برقم (2945، 2947، 2957) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 358) ، وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.]] . واللِّبَاسُ: أصله في الثِّيَاب، ثم شبه التباس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك. وتَابَ عَلَيْكُمْ، أي: من المعصية التي وقعتم فيها. قال ابنُ عبَّاس وغيره: بَاشِرُوهُنَّ كنايةٌ عن الجماعة، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ [[أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 174) رقم (2961) ، (2966) . وذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 359) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.]] اللَّهُ لَكُمْ. قال ابن عبَّاس وغيره: أي: ابتغوا الوَلَدَ [[أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 175) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 359) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، قال الفَخْر [[«التفسير الكبير» (5/ 92) .]] والمعنى: لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لابتغاء ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال- عليه السلام-: «تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» [[أخرجه ابن ماجه (1/ 599) ، كتاب «النكاح» ، باب تزويج الحرائر والولود، حديث (1863) ، من طريق طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «انكحوا فإني مكاثر بكم» . وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 73) : هذا إسناد ضعيف لضعف طلحة بن عمرو المكي الحضرمي اهـ. وطلحة بن عمرو: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال أحمد: لا شيء متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وكذلك ضعفه ابن حبان وغيره. وله لفظ آخر بإسناد آخر: أخرجه أبو داود (2/ 542) ، كتاب «النكاح» ، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث (2050) ، والنسائي (6/ 60- 66) ، كتاب «النكاح» ، باب كراهية تزويج العقيم، والحاكم (2/ 162) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 62) ، من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضا ابن حبان (1229- موارد) ، والبيهقي (7/ 81) ، كتاب «النكاح» ، باب استحباب التزويج بالودود الولود. وأخرجه أحمد (3/ 158، 245) ، وسعيد بن منصور (1/ 164) رقم (490) ، وابن حبان (1228- موارد) ، والبيهقي (7/ 81- 82) ، كتاب «النكاح» ، باب استحباب التزوج بالودود الولود، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (675) ، وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 219) ، من حديث أنس بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء» . وصححه ابن حبان. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 261) ، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ، وإسناده حسن. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 2147) ، ومن طريقه البيهقي (7/ 78) ، من حديث أبي أمامة بلفظ: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» . وفيه محمد بن ثابت البصري، وهو ضعيف قاله الحافظ في «التقريب» (2/ 148) . وأخرجه ابن ماجة (1/ 592) ، كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في فضل النكاح، حديث (1846) ، من طريق عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء» . قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 65) : هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون اهـ. وضعفه الحافظ ابن حجر في «تلخيصه» (2/ 102) ، وقال: ضعيف. -وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 377) ، من حديث ابن عمر بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . وأخرجه عبد الرزاق (6/ 173) رقم (10391) عن سعيد بن أبي هلال مرسلا. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» برقم (1782) .]] انتهى. وقيل: المعنى: ابتغوا ليلةَ القَدْرِ. وقيل: ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ» . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ... الآيةُ: نزلت بسبب صرمة بن قيس، وحَتَّى: غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، والخيط استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولاً، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء [[ينظر: «الطبري» (3/ 509) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 258) ، و «الرازي» (5/ 94) ، و «الوسيط» (1/ 287) ، و «بحر العلوم» (1/ 186) .]] : بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل. ومِنَ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والْفَجْرِ: مأخوذ من تَفَجُّر الماء لأنه ينفجر شيئاً بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة أن الآية نزلَتْ إِلا قوله: مِنَ الْفَجْرِ، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ [[أخرجه البخاري (4/ 157) كتاب «الصوم» ، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. حديث (1917) . ومسلم (2/ 767) كتاب «الصيام» ، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره، حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، حديث (34/ 1091) . والنسائي (6/ 297) (الكبرى) ، كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. حديث (11022/ 2) . والطبري في «التفسير» (2/ 187) رقم (2998) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 158) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 360) ، وعزاه إلى البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] . ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 258) .]] : ورُوِيَ أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عام من رمضان إلى رمضان تأخّر البيان [[تأخر البيان إلى وقت الحاجة: بادىء ذي بدء أقول: هناك حالان لكل ما يحتاج إلى تأخير بيان، من عام، ومجمل، ومجاز، ومشترك، وفعل متردد ومطلق: الحال الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو الوقت الذي إن أخر البيان عنه لم يتمكن المكلّف من المعرفة بما تضمنه الخطاب، وهذا يكون في كل ما كان واجبا على الفور، كالإيمان، ورد الودائع. وقد حكى أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه. الحال الثاني: أن يؤخر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست على الفور، ويكون فيما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة، أو له ظاهر وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، ونحوه. وقد اختلف العلماء في هذا القسم على مذاهب: الأول: الجواز مطلقا، وعليه عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين، كما قال ابن برهان. ومنهم ابن فورك، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني، ونقلوه عن ابن سريج، والإصطخري، والقفال، وكثير من علماء الشافعية. ونقل عن الشافعي- كما قال الزركشي في «البحر» . وقد اختاره الرازي في «المحصول» ، وابن الحاجب، وقال الباجي: عليه أكثر أصحابنا. وحكاه القاضي عن مالك. واستدلوا بآيات، منها قوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 18- 19] . وهناك حوادث كثيرة جدا- كما يقول الشوكاني- وقع البيان لها بعد السّنة. المذهب الثاني: المنع مطلقا، ونقل عن أبي إسحاق المروزي، والصيرفي، وأبي حامد المروزي، والدقاق، ومن المالكية: الأبهري. قال القاضي: وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وابن داود الظاهري، ونقله القشيري عن داود. وقد استدل هؤلاء بما لا طائل تحته، قالوا: لو جاز ذلك فإما أن يجوز إلى مدة معينة أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى المدة المعينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد. وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم. وأجيب عنهم: باختيار جوازه إلى مدة معينة يعلمها الله، وهو الوقت الذي يعلم أنه يكلف به فيه فلا تحكم. المذهب الثالث: جوازه في المجمل دون غيره، وحكي عن الصيرفي وأبي حامد المروزي. المذهب الرابع: جوازه في العموم، وحكي عن عبد الجبار، وحكاه الروياني والماوردي وجها لأصحاب الشافعي. المذهب الخامس: جوازه في الأوامر والنواهي، لا في الأخبار، وحكي عن الكرخي وبعض المعتزلة. المذهب السادس: عكسه. حكاه الشيخ أبو إسحاق، ولم ينسبه إلى أحد. المذهب السابع: جوازه في النسخ دون غيره، ذكره أبو الحسين البصري، وأبو علي، وأبو هاشم، وعبد الجبار. المذهب الثامن: التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك فلا يجوز، وما له ظاهر كالعام فيجوز. المذهب التاسع: أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا ولا تغييرا، جاز مقارنا وطارئا، وإن كان تغييرا جاز مقارنا، ولا يجوز طارئا. نقله ابن السمعاني عن أبي زيد من الأحناف.- والمذاهب الثمانية الأخيرة ضعيفة كما أشار إلى ذلك الشوكاني، قال رحمه الله: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا لا ينكره من له أدنى خبرة بها وممارسة لها. ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (3/ 493) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 166) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 28) ، «نهاية السول» (2/ 540) ، «زوائد الأصول» للأسنوي (ص 304) ، «منهاج العقول» (2/ 220) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص 86) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 429) ، «المنخول» للغزالي (ص 68) ، «المستصفى» له (1/ 368) ، «حاشية البناني» (2/ 69) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 121) ، «حاشية العطار لجمع الجوامع» (2/ 102) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 314) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (1/ 81) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (2/ 164) . وينظر: «كشف الأسرار» (3/ 108) ، «المسودة» (181) ، «شرح العضد» (2/ 164) .]] إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطين على وساده، وأخبر النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» [[تقدم تخريجه.]] . واختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ: إِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ، وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ [[أخرجه الطبري (2/ 179) برقم (3002) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) .]] ، وذكر عن حُذَيفة أنه قال: «تسحّرت مع رسول الله ﷺ وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» [[أخرجه الطبري (2/ 181) برقم (3019) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) .]] . ومن أكل، وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك. وقوله سبحانه: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر يقتضي الوجوب، وإِلى: غايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ: الذي يتم به الصيامُ: مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تعالى: وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» رواه الترمذيُّ/، وابن ماجة، وابن حِبَّان في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ: واللفظ له حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة: «حتى يُفْطِرَ» [[أخرجه الترمذي (5/ 539) ، كتاب «الدعوات» ، باب «في العفو والعافية» ، حديث (3598) ، وابن ماجة (1/ 557) ، كتاب «الصيام» ، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (1752) ، والبيهقي (3/ 345) ، كتاب «صلاة الاستسقاء» ، باب استحباب الصيام للاستسقاء لما يرجى من دعاء الصائم، (8/ 162) ، كتاب «قتال أهل البغي» ، باب فضل الإمام العادل، و (10/ 88) ، كتاب «آداب القاضي» ، باب فضل من ابتلي بشيء من الأعمال، فقام فيه بالقسط، وقضى بالحق، وابن حبان كما في «موارد الظمآن» (3/ 198) ، باب دعوة الصائم وغيره، حديث (894) ، والطيالسي (1/ 255) ، حديث (1264) ، وأحمد (2/ 304- 305) ، من حديث أبي هريرة بلفظ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر ... » وقال الترمذي: «هذا حديث حسن» .]] . انتهى من «السّلاح» . وعنه ﷺ: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ» ، رواه ابنُ السُّنِّيِّ [[أخرجه ابن ماجة (1/ 557) ، كتاب «الصيام» ، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (1753) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (482) ، من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا. وقال البوصيري في «الزوائد» : إسناده صحيح.]] . انتهى من «حِلْيَة النوويِّ» [[«حلية» النووي (ص 224) .]] . وعنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» . رواه البخاريُّ ومسلم. انتهى [[تقدم تخريجه.]] . وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل [[واصل الأسدي مولى أبي عيينة بن المهلّب. عن ابن بريدة، والضّحّاك. وعنه حمّاد بن زيد، وعبّاد بن عبّاد. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 126) .]] مولى أبي عيينة، عن لقيط أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة [[هو: عامر بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب ... أبو بردة. الأشعري. مشهور بكنيته كأخيه. قال ابن حجر في «الإصابة» : قال البغوي: سكن «الكوفة» . وروى حديثه أحمد، والحاكم من طريق عاصم الأول عن كريب بن الحارث بن أبي موسى عن عمه أبي بردة قال: قال رسول الله: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون» . وله ذكر في حديث آخر من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى عن جده أبي موسى قال: خرجنا من اليمن في بعض وخمسين رجلا من قومنا ونحن ثلاثة إخوة: أبو موسى، وأبو بردة، وأبو رهم، فأخرجتنا سفينة إلى النجاشي. أخرجه البغوي من هذا الوجه. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 29) ، «الإصابة» (7/ 17) ، «الثقات» (3/ 451) ، «تجريد أسماء-- الصحابة» (2/ 151) ، «بقي بن مخلد» (883) ، «الاستيعاب» (4/ 1608) ، «التاريخ الكبير» (1/ 211) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1579) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 18) ، «تقريب التهذيب» (2/ 394) ، «تعجيل المنفعة» (468) ، «الاستبصار» (238) ، «الجرح والتعديل» (9/ 436) ، «الكاشف» (3/ 312) .]] : أنَّ أبا موسى الأشعريّ كان في سفينة في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول: يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا: ألا ترى على أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه. انتهى. قال يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادِلِيُّ في «كتاب التشوُّف» ، وخرَّج عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن هشامِ بنِ حَسَّان [[هشام بن حسّان القردوسي الأزدي، مولاهم، أبو عبد الله البصري. أحد الأعلام. عن حفصة، ومحمد، وأنس بن سيرين، وطائفة. وعنه السفيانان والحمّادان. ضعفه القطان عن عطاء. وقال عباد بن منصور: ما رأيته عند الحسن قط، قال أبو حاتم: صدوق. قال مكي بن إبراهيم: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 113) .]] ، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ: «غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحراً، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر إِذ سمعنا صوتاً يقول: يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يميناً وشَمالاً، فلم نر شيئاً إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسى: فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ: ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة» [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 329) ، وعزاه للبيهقي.]] ، وذكره ابن حَبِيب في «الواضحة» بلفظ آخر. انتهى. قال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ [[أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني، الحمصي، اسمه: بكير، أو عبد السّلام. عن مكحول، وخالد بن معدان. وعنه إسماعيل بن عيّاش، وبقيّة. قال الحافظ أبو عبد الله: ضعيف. توفي سنة ست وخمسين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 203) .]] ، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ [[ضمرة بن حبيب الزّبيدي، أبو عبيد الحمصي. عن أبي أمامة، وشدّاد بن أوس. وعنه ابنه عتبة، وأرطاة بن المنذر. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 6) .]] ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَاباً، وإِنَّ بابَ العبادة الصيام» [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 500) رقم (1423) ، وهناد بن السري في «الزهد» (2/ 358) رقم (679) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1032) ، عن ضمرة بن حبيب مرسلا.]] . انتهى. وروى البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» [[تقدم تخريجه.]] . انتهى. وقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قالتْ فرقة: المعنى: ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممّا يتلذّذ به من النساء، وعاكِفُونَ، أيْ: مُلاَزِمُون، قال مالكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ [[لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد لقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ووجه الدلالة من الآية: أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها فدل على أنه لا يجوز إلا في المسجد، والأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع لأن رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد الجامع ولأن الجماعة في صلواته أكثر ولأنه يخرج من الخلاف، فإن الزهري قال: لا يجوز في غيره. وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير الثلاثة، وهي المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المدينة، جاز أن يعتكف في غيره لأنه لا مزية لبعضها على بعض فلم تتعين ويصح الاعتكاف في كل مسجد، والجامع أفضل، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراط الجامع، والصواب جوازه في كل مسجد، ويصح في رحبته، وسطحه بلا خلاف، لأنهما منه. ينظر: «الاعتكاف» لشيخنا أحمد خليفة جبر.]] ، وروي عن مالكٍ أيضاً أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 96) .]] : وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد معتقدون له. انتهى. وتِلْكَ إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي. والحُدُودُ: الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد لأنه يمنع ومنه الحَادُّ لأنها تُمنع من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق. 48 أوقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... الآية: الخطاب لأمة/ نبيّنا محمّد ﷺ ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك. وقوله سبحانه: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ... الآية: يقال: أَدْلَى الرَّجُلُ بحجّة، أو بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب [[وقيل: إنها للتعدية، أي: لترسلوا بها إلى الحكام. ينظر: «الدر المصون» (1/ 478) .]] ، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان. تُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة. والفريق: القطعة، والجزء. وبِالْإِثْمِ أي: بالظلم. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.