الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ. أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الاْيام المعدوداتِ/، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصّلوات. 51 ب قال مالك: يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ. ومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ» [[أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» حديث (295) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 296) ، من طريق عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه عن جَدِّه مرفوعا.]] انتهى من «حلية النوويِّ» [[«حلية النووي» (ص 332) .]] . وقوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ... الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: المعنى: من نَفَر اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، كلُّ ذلك مباحٌ إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ [[أخرجه الطبري (2/ 318- 321) برقم (3931- 3957) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 278) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 423) .]] . قُلْتُ: وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ. ثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... الآية. قال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ: أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حُمُراً [[أخرجه الطبري (2/ 324) رقم (3964) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 279) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 427) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي.]] . قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 279) .]] : ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ: وفي ما قاله ع: نظر، ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاووديُّ في تفسيره أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق. انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه. وقال قتادةُ، وجماعة: نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 279) .]] ، ومعنى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ، أي: يقول: اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ: الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ [[اللّديدان: جانبا الوادي. كل واحد منهما لديد. ينظر: «لسان العرب» (4019) .]] الوادي. وعنه ﷺ: «أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» . وتَوَلَّى وسَعى: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء «تولى» بمعنى: ضَلَّ وغَضِبَ وأنف في نَفْسه، فسعى بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام نحا هذا المنحى في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج، وغيره. والمعنى الثاني: أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء «تَوَلَّى» بمعنى: أدبر ونَهَض وسعى، أي: بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ابن عبَّاس وغيره. وقوله تعالى: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ: قال الطبريُّ [[«جامع البيان» (4/ 238) .]] : المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ. قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 280) .]] : والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد. ولا يُحِبُّ الْفَسادَ معناه: لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِيناً، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ: واقعٌ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة. قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 281) .]] : والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ إِذ الحبّ من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.