الباحث القرآني

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر] أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق [[البيت بلا نسبة في «الأزهيّة» (ص 165) و «الدرر» (6/ 168) و «شرح قطر الندى» (ص 210) -- و «شرح المفصل» (1/ 129) و «لسان العرب» (4/ 257) (خمر) و «اللمع» (ص 195) و «همع الهوامع» (2/ 142) ، و «الدر المصون» (1/ 535) . واستشهد بقوله: «يا زيد والضحاك» حيث روي بنصب «الضحاك» ورفعه، فدلّ ذلك على أنّ المعطوف على المنادى المبنيّ، إذا كان مفردا، يجوز فيه وجهان: الرفع على لفظ المنادى، والنصب على محلّه.]] ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ. وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ... الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] ، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: 90] فقال رسول الله ﷺ: «حرّمت الخمر» [[أخرجه النسائي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس موقوفا بلفظ: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» . قال النسائي: ابن شبرمة لم يسمعه من عبد الله بن شداد، وأخرجه (8/ 321) كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة قال: حدثني الثقة عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس به. قال: خالفه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي. فرواه عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس بزيادة: «حرمت الخمر بعينها: قليلها، وكثيرها» ... أخرجه النسائي (8/ 321) ثم أخرجه من طريق عباس بن ذريح، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب» . قال النسائي: وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة، وهشيم بن بشير- الراوي عنه- كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة، ورواية أبي عون أشبه بما رواه الثّقات عن ابن عباس. وقد أخرجه النسائي (8/ 321) ، والدارقطني (4/ 256) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 224) ، من طريق شعبة، عن مسعر، عن أبي عون به، عن ابن عباس موقوفا. وفي الباب عن علي مرفوعا: أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 123- 124) ، من طريق محمد بن الفرات الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: طاف النبي ﷺ بين الصفا والمروة أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة» ؟ فأتي بقعب من نبيذ، فذاقه، فقطب، قال: فرده، قال: فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فرده. قال: فصب عليه الماء حتى رغا، ثم شرب، ثم قال: «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» . قال العقيلي: لا يتابع عليه. ونقل عن يحيى قوله: ليس بشيء، وعن البخاري قوله: منكر الحديث. -- وقول العقيلي: لا يتابع عليه، فيه نظر. فقد تابعه عبد الرحمن بن بشر الغطفاني. أخرجه هو في «ضعفائه» (3/ 424) من طريقه، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة، عام حجة الوداع، فقال رسول الله ﷺ: «حرم الله الخمر بعينها، والسكر من كلّ شراب» . قال العقيلي: عبد الرحمن بن بشر مجهول في النسب والرواية حديثه غير محفوظ. ليس له من حديث أبي إسحاق أصل، وهذا يعرف عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس قوله.]] ، ولم يحفظ عن النبيّ ﷺ في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود [[أخرجه أحمد (3/ 67) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 157) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: جلد على عهد النبي ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جلد بدل كل نعل سوطا. وزيد العمي ضعيف، والمسعودي كان قد اختلط.]] ، وروي عنه ﷺ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً [[أخرجه البخاري (12/ 66) كتاب «الحدود» ، باب الضرب بالجريد والنعال، حديث (6778) ، ومسلم (3/ 1332) كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، حديث (39/ 1707) ، وأبو داود (4/ 626) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4486) ، وابن ماجة (2/ 858) ، كتاب «الحدود» ، باب حد السكران، حديث (2569) ، وأحمد (1/ 125) ، وأبو يعلى (1/ 281) برقم (336) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والبيهقي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة والحد فيها» ، باب الشارب يضرب زيادة على الأربعين. كلهم من حديث علي قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد، فيموت، وأجد في نفسي منه شيئا، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يتبين فيه شيئا. قال البيهقي: وإنما أراد- والله أعلم- أن رسول الله ﷺ لم يسنه زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط، وقد سنه بالنعال، وأطراف الثياب مقدار أربعين.]] ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر [[أخرجه أبو داود (4/ 628) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4489) ، والشافعي (2/ 90) كتاب «الحدود» ، باب حد الشرب، حديث (292) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 156) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والحاكم (4/ 375) ، كتاب «الحدود» ، باب كان الشارب يضرب بالأيدي والنعال، والبيهقي (8/ 320) كتاب «الأشربة» ، باب عدد حد الخمر، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله ﷺ غداة الفتح، وأنا غلام شاب يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بشارب، فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعليه، وحثى رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر، فسألهم عن ضرب النبي ﷺ الذي ضرب، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.]] ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود ثمانين وبه قال مالك [[ذهب الحنفية والمالكية إلى أن حد الخمر ثمانون، وهو مذهب إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم، وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، واختاره ابن المنذر. وذهب الشافعي (في أصح مذهبه) إلى أن قدرها أربعون، وهو مذهب الظاهرية، وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة وغير ذلك. واحتج الأولون بما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحّحه عن أنس أن النبي ﷺ «أتي برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدتين نحو أربعين. وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار النّاس، فقال عبد الرّحمن: أخفّ الحدود ثمانين. فأمر به عمر» . وبما رواه أحمد عن أبي سعيد قال: جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا. وجه الدلالة: أن شارب الخمر كان يجلد بين يدي رسول الله ﷺ ثمانين لأنه كان يضرب بالجريدتين أو بالنعلين مجتمعين أربعين، فتكون الجملة الحاصلة ثمانين لأن كل ضربة ضربتان. وإن كانت الرواية الأولى محتملة لقوله: «فجلد بجريدتين نحو أربعين» إلا أن الثانية جازمة، بأن الضرب بنعلين أربعين، ولذا استشار عمر الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) فرأوا أن الجلد في الخمر ثمانون سوطا بدل الضرب بالنعال ونحوها. وروى الإمام مالك (رضي الله عنه) عن ثور بن زيد الدّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين» . وجه الدلالة: أن عمر (رضي الله عنه) استشار الصحابة في عقوبة شرب الخمر، فأشار عليه عليّ بأنها ثمانون، فوافقه عمر عليها، وعمل بها فدل ذلك على أنها ثمانون، ولم يعلم له مخالف. وأما المعقول فقالوا: إن هذا حد في معصيته، فلم يكن أقل من ثمانين، كحد الفرية والزنا. وأما الإجماع، فقالوا: إن الصحابة في عهد عمر أجمعوا على أن حدّ شرب الخمر ثمانون. يدل لذلك ما روى الدارقطني قال: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدّورقي، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين، وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله ﷺ لمن عنده، فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله ﷺ عليه التراب قال: ثم أتي أبو بكر (رضي الله عنه) بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير (رضي الله عنهم) . وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين.]] . ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع. قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز [[أخرجه الطبري (2/ 370- 371) برقم (4114- 4115) ، عن محمد بن سيرين، وبرقم (4118) ، عن الحسين، وبرقم (4120) عن سعيد بن المسيب، وبرقم (4124) عن ابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 294) .]] . ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه [[أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4133) .]] ، قال ابن عبَّاس: كلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب [[أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4124) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 452) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. والكعاب: فصوص النرد، واحدها كعب وكعبة. ينظر: «لسان العرب» (3889) .]] . انتهى. وقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية: قال ابن عبّاس، 54 أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 453) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.]] . وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها [[أخرجه الطبري (2/ 372) برقم (4137) ، وذكره ابن عطية (1/ 294) .]] ، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها [[أخرجه الطبري (2/ 373) برقم (4140) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) ، والسيوطي (1/ 452) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.]] ، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم. وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس. وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته. قال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها [[أخرجه الطبري (2/ 381) برقم (4181) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس.]] . انتهى. قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته. انتهى من «الإِحياء» . وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ... [الأنعام: 152] و [الإسراء: 34] الآية، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] ، تجنبوا اليتامى وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ... الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم [[أخرجه الطبري (2/ 382- 383- 384) برقم (4185- 4186- 4192- 4194- 4196) عن ابن عباس، وبرقم (4187) عن سعيد. وذكره البغوي (1/ 194) عن ابن عباس، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295- 296) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لأبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.]] . وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: تحذيرٌ. وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عنوت ومنه: عنت العزبة، وعَزِيزٌ: مقتضاه لا يرد أمره، وحَكِيمٌ: أي: محكم ما ينفذه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.