الباحث القرآني

وقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: نزلَتْ هذه الآية بياناً لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ [[أخرجه الطبري (2/ 469) رقم (4783) ، وذكره البغوي (1/ 206) ، وابن عطية (1/ 306) ، والسيوطي (1/ 494) ، وعزاه لمالك، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عروة.]] ، وقال ابن عبَّاس وغيره: المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئاً من حقِّها، وإِما أمسكها محسناً عشْرَتَها [[أخرجه الطبري (2/ 470- 471) برقم (4791) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 306) .]] . ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 306) .]] : والآية تتضمَّن هذين المعنيين. 56 ب ص: الطلاقُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: عدد الطلاق، ومرَّتانِ: خبره. انتهى. والإِمساكُ بالمعروفِ: هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ: يحتمل لفظه معنَيَيْنِ: أحدهما: تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك [[أخرجه الطبري (2/ 472- 473) ، برقم (4800- 4807) عن السدي، وأرقام (4801- 4802- 4803- 4808) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 306) .]] . والمعنَى الآخر: أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك، وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، وإِمْسَاك: مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن. وقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ... الآية: خطاب للأزواجِ، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع [[الخلع لغة: النّزع، وهو استعارة من خلع اللّباس لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فكأن كل واحد نزع لباسه منه، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا افتدت منه، وطلّقها على الفدية. واصطلاحا: عرفه الأحناف بأنه: عبارة عن أخذ المال بإزاء ملك النكاح، بلفظ الخلع. وعرفه الشّافعيّة بأنه: فرقة بين الزّوجين بعوض، بلفظ طلاق أو خلع. وعرفه المالكية بأنه: الطلاق بعوض. وعرفه الحنابلة بأنه: فراق الزوج امرأته، بعوض يأخذه الزوج، بألفاظ مخصوصة. ينظر: «لسان العرب» (2/ 1232) ، و «المصباح المنير» (1/ 243) ، و «المطلع» (331) ، «تبيين الحقائق» (2/ 267) ، «شرح فتح القدير» (4/ 210) ، «حاشية ابن عابدين» (3/ 422) ، «مغني المحتاج» (3/ 262) ، «الشرح الصغير» للدردير (3/ 319) ، «بداية المجتهد» (2/ 98) ، «الكافي» (2/ 597) ، «كشف القناع» (5/ 212) ، «المغني» (7/ 536) .]] الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالى علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة. وقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: المخاطبة للحُكَّام والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّاماً، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه: هو استخفاف المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء [[أخرجه الطبري (2/ 479) برقم (4839) ، عن ابن عباس. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307) .]] . وقال الشَّعبيُّ: أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: معناه: ألاَّ يطيعَا اللَّه [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307) .]] ، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة. وقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا/ في ارتفاع 57 أالجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ. قال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم: مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكه وقضى بذلك عمر بن الخطّاب [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307- 308) .]] . وقال طَاوُسٌ [[طاوس بن كيسان اليماني الجندي- بفتح الجيم والنون- قيل: من الأبناء، وقيل: مولى همدان، الإمام العلم. قيل: اسمه ذكوان. قاله ابن الجوزي. عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم. وعنه: مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب. قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة. مات سنة 106. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 15) .]] ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها [[أخرجه الطبري (2/ 483- 485) بأرقام (4858) ، (4859) ، (4860) ، (4880) عن الحسن، وبرقم (4862) عن ابن طاوس، وبرقم (4863) عن الزهري. وذكره البغوي (1/ 207) عن الزهري، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) .]] ، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا [[أخرجه الطبري (2/ 483) برقم (4861) ، وذكره البغوي (1/ 207) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) .]] . وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وهو كما قال ﷺ: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» [[أخرجه البخاري (5/ 120- 121) كتاب «المظالم» ، باب الظلم ظلمات يوم القيامة، حديث (2447) ، وفي «الأدب المفرد» رقم (481) ، ومسلم (4/ 1996) ، كتاب «البر والصلة» ، باب تحريم الظلم، حديث (57/ 2579) . وأحمد (2/ 137، 146) ، والبيهقي (6/ 39) ، كتاب «الغصب» ، باب تحريم الغصب. والبغوي في «شرح السنة» (7/ 364- بتحقيقنا) . كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا، وللحديث شاهد من حديث جابر بلفظ: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» . أخرجه مسلم (4/ 1996) ، كتاب «البر والصلة» ، باب تحريم الظلم، حديث (56/ 2579) ، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (479) . وأحمد (3/ 323) ، من طريق عبيد الله بن مقسم، عن جابر به. وله شاهد أيضا من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه أحمد (2/ 159) عنه مرفوعا، بلفظ: «الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش ... » .]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.