الباحث القرآني

وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: هو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ [[أخرجه الطبري (2/ 488) برقم (4886) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 504) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس.]] قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 308) .]] : فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ في امرأة رِفَاعَةَ [[امرأة رفاعة القرظي التي تزوجها عبد الرحمن بن الزّبير اختلف في اسمها فقيل: سهيمة، وقيل: عائشة، وقيل: تميمة، حكى الأقوال الثلاثة ابن الأثير في مواضع من كتابه، وذكرها في حرف «التاء» تميمة بنت وهب بن عبيد القرظية، مطلقة رفاعة القرظي. ينظر: «تهذيب الأسماء» (2/ 370) .]] ، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ [[عبد الرحمن بن الزّبير بفتح الزاي ابن باطياء القرشي، صحابي له حديث، وعنه ابنه الزّبير. ينظر: «الخلاصة» (2/ 132) .]] ، فقال لها النبيُّ ﷺ: «لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» [[أخرجه مالك (2/ 531) ، كتاب «النكاح» ، باب نكاح المحلل وما أشبهه، حديث (17) ، من طريق المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، أن رفاعة بن سموآل طلق امرأته.....، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في «الأم» (5/ 248) ، باب نكاح المطلقة ثلاثا، وابن حبان (1323- موارد) ، والبيهقي (7/ 375) كتاب «الرجعة» ، باب نكاح المطلقة ثلاثا. قال السيوطي في «تنوير الحوالك» (2/ 6) ، قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك، فقال: عن أبيه، وابن وهب من أجل من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه، وتابعه أيضا ابن القاسم، وعلي بن زياد، وإبراهيم بن طهمان، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي. كلهم عن مالك، وقالوا فيه: عن أبيه، وهو صاحب القصة. اهـ. ومن طريق ابن وهب: أخرجه ابن الجارود (682) ، والبيهقي، (7/ 375) كتاب «الرجعة» ، باب نكاح المطلقة ثلاثا. وأخرجه البزار (2/ 194- كشف) رقم (1504) ، من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا مالك بن أنس، عن المسور بن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 343) : رواه البزار، والطبراني، ورجالهما ثقات، وقد رواه مالك في «الموطأ» مرسلا، وهو هنا متصل. اهـ. -- وقد ورد هذا الحديث موصولا من حديث عائشة. أخرجه أحمد (6/ 226) ، والبخاري (5/ 249) ، كتاب «الشهادات» ، باب شهادة المختبئ، حديث (2639) ، ومسلم (2/ 1055- 1056) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (111/ 1433) . والترمذي (2/ 293) ، كتاب «النكاح» ، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا، حديث (1118) . والنسائي (6/ 148) كتاب «الطلاق» ، باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجة (1/ 621- 622) كتاب «النكاح» ، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا، حديث (1932) . والدارمي (2/ 161) كتاب «الطّلاق» ، باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها.... والشافعي (2/ 34- 35) كتاب الطلاق، حديث (110) ، والحميدي (1/ 111) رقم (226) ، وعبد الرزاق (6/ 346- 347) رقم (11131) ، والطيالسي (1/ 314- 315) رقم (1612، 1613) . وسعيد بن منصور (2/ 73- 74) رقم (1985) . وأبو يعلى (7/ 397) رقم (4423) . وابن حبان (4199- الإحسان) ، والبيهقي (7/ 373- 374) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 169- بتحقيقنا) ، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» . وقال الترمذي: حسن صحيح. وللحديث طرق أخرى عن عائشة. فأخرجه البخاري (9/ 284) ، كتاب «الطلاق» ، باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام، حديث (5265) ، ومسلم (2/ 1057) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (114/ 1433) ، وأحمد (6/ 229) ، والدارمي (2/ 162) ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وأخرجه مسلم (2/ 1057) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (115/ 1433) ، وأحمد (6/ 193) . وأبو يعلى (8/ 373- 374) رقم (4964) ، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة. وأخرجه أبو داود (1/ 705) كتاب «الطلاق» ، باب في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (2309) . وأحمد (6/ 42) من طريق الأسود عن عائشة. وأخرجه البخاري (10/ 293) ، من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزّبير القرظيّ، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ- والنساء ينصر بعضهنّ بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشدّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب، إلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه- وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ: فإن كان ذلك لم تحلي له أو تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك، قال: وأبصر معه ابنين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب. -[.....]]] فرأَى العلماء أنه لا يحلّها إلا الوطء. وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إلا الإنزال، وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) .]] ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح. وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ... الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول. قاله ابن عَبَّاس [[أخرجه الطبري (2/ 491) برقم (4909) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 508) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس.]] ، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا. وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك قاله الضَّحَّاك وغيره [[أخرجه الطبري (2/ 494) برقم (4922) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) .]] ، ولا خلاف فيه. ومعنى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربْنَ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ- وبِمَعْرُوفٍ: قِيلَ: هو الإِشهاد [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) ، والبغوي في (1/ 210) .]] - وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: لا تراجعوهنَّ ضِراراً، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً ... الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً، أو راجَعَ كذلك [[أخرجه الطبري (2/ 496) برقم (4926) ، وذكره ابن عطية (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 231) ، وعزاه لابن أبي شيبة في «المصنف» ، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن.]] . وقالتْ عائشةُ: قال رسول الله ﷺ: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ» [[أخرجه أبو داود (2/ 259) ، كتاب «الطلاق» ، باب في الطلاق (2194) ، والترمذي (3/ 490) ، كتاب «الطلاق» ، باب ما جاء في الحد (1184) ، وابن ماجة (1/ 658) ، كتاب «الطلاق» ، باب من طلق أو نكح (2039) ، والدارقطني (4/ 18- 19) ، كتاب «الطلاق» ، والحاكم في «المستدرك» (2/ 197- 198) ، كتاب «الطلاق» ، باب ثلاث جدهن جد.]] . ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسّنّة، وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه. وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ... الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ لأن المعنى يقتضي ذلكَ. وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى: إِن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ: الأزواجُ وذلك 58 أبأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلاً/ عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: أَزْواجَهُنَّ على هذا، يعني به: الرجالَ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ الأولياء، فالأزواج هم الذين كُنَّ في عصمتهم. «وَالعَضْل» : المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ كما يقال: أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال: العسيرُ البرءِ، وقيل: نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ [[معقل بن يسار بن عبد الله بن معبّر بن حراق بن أبي بن كعب بن عبد ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو المزني. ومزينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونسبوا إليها. ومعقل يكنى أبا علي، وقيل: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار. ومات في آخر خلافة معاوية. وقيل: عاش إلى إمرة يزيد. وذكره البخاري في «الأوسط» في فضل من مات ما بين الستين إلى السبعين. ينظر: «الإصابة» (6/ 146- 147) .]] ، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ارتجاعها، فمنعَهُ وليُّ المرأة [[أخرجه الطبري (2/ 497- 498- 499) بأرقام (4930- 4931- 4932- 4933- 4934) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 511) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.]] ، وقيل: نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ [[أخرجه الطبري (2/ 499) رقم (4942) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 511) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن السّدّي.]] . وهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ: معناه: المهر، والإِشهاد. وقوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ خطاب للنبيّ ﷺ ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في ذلِكُمْ أَزْكى إلى ترك العضل، وأَزْكى ... وَأَطْهَرُ: معناه: أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ على ما لا ينبغِي، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.