الباحث القرآني

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ... الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء، ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 327) .]] . وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 602) برقم (5608) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 328) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 553) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 328) .]] : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا ﷺ إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد ﷺ بالجهادِ، هذا قول الطَّبري [[ينظر: «جامع البيان» (5/ 278) .]] ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية. والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة [[هو أحد قسمي جمع التكسير، والآخر هو جمع القلة، فأما جمع القلة فيصدق على الثلاثة إلى العشرة، وأما جمع الكثرة فيدل على أحد عشر فما فوق، ولكل من النوعين صيغ فلجمع القلة أربع صيغ، ولجمع الكثرة ثلاثة وعشرون بناء. ينظر: «معجم المصطلحات النحوية والصرفية» (ص 51) .]] ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 328) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 553) .]] . 61 أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ... الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر. وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد ﷺ بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث [[أخرجه البخاري في العلم (1/ 268) باب من سأل وهو قائم عالما جالسا (123) ، و (6/ 33) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (2810) (6/ 260) في فرض الخمس (3126) ، و (13/ 450) في التوحيد: باب وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (7458) ، ومسلم (3/ 1512- 1513) في الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (149- 151/ 1904) وأبو داود (1/ 18) في الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (2517- 2518) والترمذي (4/ 154) في فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا (1646) ، والنسائي (6/ 23) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وابن ماجة (2/ 931) في الجهاد: باب النية في القتال (2783) ، وأحمد (4/ 392، 397، 402، 405، 417) ، والطيالسي (1/ 233) برقم (1135) ، وأبو يعلى (7253) ، والبيهقي (9/ 167، 168) من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلّا أنه كان قائما، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] . وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 329) .]] ، قال الطبريُّ [[ينظر: «جامع البيان» (5/ 281) .]] : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ... الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ [[أبو الدّحداح الأنصاري: حليف لهم. قال أبو عمر: لم أقف على اسمه ولا نسبه، أكثر من أنه من الأنصار حليف لهم، وقال البغويّ: أبو الدحداح الأنصاري، ولم يزد. ينظر: «الإصابة» (7/ 100) .]] : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح [[أمّ الدّحداح، زوج أبي الدحداح. لها ذكر في حديث أبي الدحداح، وصدقته بالحائط الذي فيه النخل. فقال: يا أم الدحداح، اخرجي، يعني: من الحائط، ذكره الأشيري. ينظر: «أسد الغابة» (7/ 316) .]] ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ [[أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 97- 98) ، وعنه الطبري (5618) ، عن معمر عن زيد بن أسلم قال: لمَّا نزلَتْ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً، قال: جاء أبو الدحداح ... وقال الشيخ شاكر: هذا حديث مرسل فهو ضعيف الإسناد لأن زيد بن أسلم تابعي، ولم يذكر من حدثه من الصحابة. وأخرجه الطبري في «تفسيره» (5620) ، وأبو يعلى (4986) ، عن خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، قال أبو الدحداح: ... » ، فذكره بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 554- 555) ، وزاد فعزاه لسعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» . ولم يعزه لأبي يعلى. وقال الشيخ شاكر: هذا إسناد ضعيف جدا ... فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج.]] . واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر «أحكام القرآن» (1/ 230) .]] وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» . انتهى، واللفظ لصحيح مسلم [[أخرجه مسلم (4/ 1990) في البر والصلة: باب فضل عيادة المريض (43/ 2569) ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله (عز وجل) يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني.....» فذكره.]] ، قال ابنُ العَرَبِيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 230) .]] : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى. وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته. وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة. ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك ﷺ 61 ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: 261] . قال ع: رُوِيَ أن النبيّ ﷺ طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» [[أخرجه أبو داود (2/ 293) ، كتاب «البيوع» ، باب في التسعير، حديث (3450) ، والبغوي في «شرح السنة» (4/ 331- بتحقيقنا) ، وأحمد (2/ 337) ، من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعو، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس لأحد عندي مظلمة» . وللحديث شاهد قوي من حديث أنس بن مالك. أخرجه أبو داود (2/ 293- 294) كتاب «البيوع» ، باب في التسعير، حديث (3451) ، والترمذي (3/ 605- 606) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في التسعير، حديث (1314) ، والدارمي (2/ 249) كتاب «البيوع» ، باب في النهي أن يسعر في المسلمين، وأحمد (3/ 286) ، والبيهقي (6/ 29) كتاب «البيوع» ، باب التسعير، كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله ﷺ. فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: «إنّ الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة بدم ولا مال» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو يعلى (5/ 245) رقم (2861) ، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس به. وأخرجه أحمد (3/ 156) ، من طريق حماد، عن قتادة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه أبو يعلى (5/ 160) رقم (2774) ، من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس به.]] ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ: «القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ. انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر. انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.