الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ... الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ- وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ- وتَثْبِيتاً: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ. قال ص: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة [[ذكره ابن عطية (1/ 358) .]] بأن ابتغاء: لا يكون مفعولاً من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتاً» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولاً من أجله لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان [[ذكره أبو حيان (2/ 323) .]] ، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل. انتهى. قال قتادة وغيره: وَتَثْبِيتاً: معناه: وتيقُّناً، أي [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 69) برقم (6065) عن قتادة. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 358) .]] : أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله: وَتَثْبِيتاً، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 70) برقم (6069) ، (6070) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 340) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 359) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 319) .]] . قال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 359) .]] . والقولُ الأول أصوبُ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتاً» ، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير الصَّدْر كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: 17] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ/ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمّا 69 أإذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ يأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على فعْلِ كذا وكذا لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ. والرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ. ولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها. ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 360) .]] ، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ كتربية الفلوّ [[الفلوّ والفلوّ والفلو: الجحش والمهر إذا فطم. ينظر: «لسان العرب» (3469) .]] والفصيلِ [[الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والجمع فصلان، وفصال. ينظر: «لسان العرب» (3423) .]] حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعد ووعيد. وقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... الاية: حكى الطبريُّ [[أخرجه الطبري (3/ 77) برقم (6102) .]] عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ ... [البقرة: 264] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً فقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ... الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 77) برقم (6102) .]] ، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه [[أخرجه البخاري (4538) ، وأخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 75) برقم (6093) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 253) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 360) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 602) ، وعزاه لابن المبارك في «الزهد» ، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس.]] ، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ [[عبد الله بن عبيد الله بن زهير، وهو أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، التيمي، أبو بكر المكي. عن عائشة، وأم سلمة، وأسماء، وابن عباس. وأدرك ثلاثين من الصحابة (رضي الله عنهم) . وعنه ابنه يحيى، وعطاء، وعمرو بن دينار. وثقه أبو حاتم وأبو زرعة. قال البخاري: مات سنة سبع عشرة ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 76) ، و «تهذيب التهذيب» (5/ 306) ، «تقريب التهذيب» (1/ 431) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 707) ، «الكاشف» (2/ 106) ، «طبقات ابن سعد» (473) .]] عن عمر نحوه [[ينظر الأثر السابق، و «المحرر الوجيز» (1/ 360) .]] . ع [[ذكره ابن عطية (1/ 360) .]] : فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 75) برقم (6092) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 603) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد.]] ، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه. انتهى، وهو حسن جدّا. وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 77) برقم (6098) ، وذكره السيوطي في «تفسيره» (1/ 604) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.]] ، فاعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه. وعن الحَسَنِ نحوه. انتهى. وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله: وَأَصابَهُ واو الحالِ وكذلك في قوله: وَلَهُ، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلّ ذلك من فيح جهنّم. ولَعَلَّكُمْ: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 80) برقم (6118) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 361) .]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.