الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ ... الآية: هذا خطاب لجميع أمّة نبيّنا محمّد ﷺ/ وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المراد بهذا 69 ب الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى مِنْ طَيِّباتِ: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد: معناه: من حلالِ ما كسبتمْ [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 361) .]] ، قال: وقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أي: الحرام [[ينظر السابق.]] . ع [[ذكره ابن عطية (1/ 361) .]] : وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نفسه. وكَسَبْتُمْ: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضارع ذلك، وتَيَمَّمُوا: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله: الْخَبِيثَ، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم، أي: ساهَلْتُم، قال ع [[ذكره ابن عطية (1/ 362) .]] : كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في مِنْهُ عائدٌ على الْخَبِيثَ. قال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: فِيهِ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ» كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ. ت: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، وحَمِيدٌ: معناه محمودٌ. وقوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... الآية: هذه الآيةُ وما بعدها- وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة- بيَّن- عزَّ وجلَّ- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء وكذلك إِلى آخر المعنى. والوعد في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً [[اللّمّة: الهمة والخطرة تقع في القلب. ينظر: «لسان العرب» (4079) .]] مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قرأَ ﷺ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ... الآية. قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ [[أخرجه الترمذي (5/ 219- 220) ، كتاب «التفسير» باب سورة البقرة، حديث (2988) ، وأبو يعلى (8/ 417) رقم (4999) ، وابن حبان (40- موارد) ، والطبري (3/ 88) كلهم من طريق عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.]] . والمغفرةُ: هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة: «عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ» وفي القُرآن مصداقه، وهو: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ/ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] . 70 أت: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ [[سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، ولد ب «عكا» سنة 260 هـ. من كبار المحدثين، أصله من «طبرية» الشام، وإليها نسبته، رحل إلى الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وفارس، والجزيرة، وتوفي سنة 360 هـ ب «أصبهان» . له ثلاثة معاجم في الحديث، منها «المعجم الصغير» وله كتب في «التفسير» ، و «الأوائل» ، و «دلائل النبوة» وغير ذلك. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 215) ، و «النجوم الزاهرة» (4/ 59) ، و «تهذيب ابن عساكر» (6/ 240) ، و «الأعلام» (3/ 121) .]] ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 133) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» بنحوه إلا أنه قال: من أطعم أخاه خبزا، وفيه رجاء بن أبي عطاء، وهو ضعيف.]] . انتهى. وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه- عن النبيّ ﷺ قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» أخرجه أبو داود [[أخرجه أبو داود (1/ 526) كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1682) من طريق أبي خالد الدالاني عن نبيح عن أبي سعيد مرفوعا.]] ، مِنْ حديثِ أبي خالد، هو الدّالاني [[أبو خالد الدّالاني الكوفي، اسمه يزيد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرّة، والمنهال بن عمرو، وعنه الثوري، وشعبة، وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: في حديثه لين مات سنة مائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 214) .]] ، عن نبيح [[نبيح بن عبد الله، العنزي الكوفي، عن جابر، وابن عباس، وابن عمر، وعنه الأسود بن قيس وجماعة، وثقه أبو زرعة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 104) .]] ، وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة [[عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، المخزومي، مولاهم، أبو زرعة الرازي الحافظ، أحد الأعلام والأئمة. عن: أبي نعيم، وقبيصة، وخلائق، وعنه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال أحمد: ما جاوز الجسر أحفظ من أبي زرعة، قال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل. وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلاف حديث من القرآن. مات سنة أربع وستين ومائتين. ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 881) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 30) ، وو «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 195) ، و «الكاشف» (2/ 230) ، و «الجرح والتعديل» (1/ 328) ، و «سير الأعلام» (13/ 165) .]] عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ» لابن دقيق العيد [[محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، تقي الدين ابن دقيق العيد، ولد سنة 625 هـ، تفقه على والده، ثم على ابن عبد السلام، وسمع الحديث من جماعة، قال ابن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص. قال السبكي: ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا.. صنف «الإلمام» في الحديث، وله «شرح العمدة» أملاه إملاء، وله «الاقتراح في اختصار علوم ابن الصلاح» وهو مطبوع. مات سنة 702. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (2/ 229) ، و «طبقات الأسنوي» (ص 336) ، و «طبقات السبكي» (6/ 2) .]] . وواسِعٌ: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه- عليه السلام- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ. انتهى. وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغفلة- والْأَلْبابِ: العقول، واحدها لبّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.