الباحث القرآني

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ... الآية: قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ- رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 371) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 642) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 347) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 260) .]] ، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 371) .]] : والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ- رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ... الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم: «أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي» ، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا 72 ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 102) برقم (6238) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 348) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 372) بنحوه.]] ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» . وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين: في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ: فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ [[جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الصادق المدني، أحد الأعلام، عن أبيه وجده أبي أمه، القاسم بن محمد، وعروة، وعنه خلق لا يحصون منهم ابنه موسى، وشعبة، والسّفيانان، ومالك، قال الشافعي وابن معين، وأبو حاتم: ثقة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن ثمان وستين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 168- 169) .]] : وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ. وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات: أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك. والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها. والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية. والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر. وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة. وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ [[المحاق والمحاق: آخر الشهر إذا امّحق الهلال فلم ير. ينظر: «لسان العرب» (4147) .]] ، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ ﷺ «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» [[أخرجه البخاري (13/ 426) ، كتاب «التوحيد» ، باب قول الله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، حديث (7430) ، ومسلم (2/ 702) كتاب «الزكاة» ، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث (63، 64/ 1014) من حديث أبي هريرة.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 373) .]] : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ [[يزيد بن أبي حبيب مولى شريك بن الطّفيل الأزدي، أبو رجاء المصري، عالمها. عن عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي الخير اليزني، وعطاء، وطائفة. وعنه يزيد بن أبي أنيسة. قال ابن سعد: ثقة يتشيع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 167) ، «التهذيب» (11/ 318) .]] أنَّ أبا الخير [[مرثد بن عبد الله الحميري، اليزني، أبو الخير المصري الفقيه، عن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر وطائفة. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وطائفة، قال سعيد بن عفير: مات سنة تسعين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 17) .]] حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ» ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً [[أخرجه أحمد (4/ 147- 148) ، وأبو يعلى (3/ 300- 301) رقم (1766) ، وابن خزيمة (4/ 94) رقم (2431) ، وابن حبان (817- موارد) ، والحاكم (1/ 416) ، والبيهقي (4/ 177) كتاب «الزكاة» ، باب التحريض على الصدقة وإن قلت، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 181) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 402- بتحقيقنا) كلهم من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» له (ص 227) رقم (645) عن حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس» . وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة، ولو بصلة. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الهيثمي في «المجمع» (3/ 113) : رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. ورجال أحمد ثقات. وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (6282) . وقال المناوي في «الفيض» (5/ 13) : وقال- أي الذهبي- في «المهذب» : إسناده قوي.]] . انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد. قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر. انتهى. قال أبو عمر في «التمهيد» : وروي عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ [[قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 225) : أخرجه ابن المبارك في «الزهد» عن ابن شهاب مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب فيمن روى عن مالك من حديث ابن عمر، وضعفه.]] . انتهى. وروى أبو داود في «سننه» ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ [[هو: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة، أبو ثابت، صحابي مشهور، وهو نقيب بني ساعدة، ذكره الواقدي والمدائني، وابن الكلبي فيمن شهد بدرا، وكان سيدا جوادا. وله ولأهله في الجود أخبار حسنة. وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. وكان غيورا شديد الغيرة، وإياه أراد رسول الله بقوله: «إن سعدا لغيور، وإني لأغير من سعد، والله أغير منا، وغيرة الله أن تؤتى محارمه ... » الحديث. روى أبو داود من حديث قيس بن سعد قال: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» توفي ب «الشام» سنة (11) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 356) ، «الإصابة» (3/ 80) ، «الثقات» (3/ 148) ، «الاستيعاب» (2/ 594) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 79) ، «بقي بن مخلد» (121) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 270) ، «البداية والنهاية» (3/ 389) ، «تقريب التهذيب» (1/ 288) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 475) ، «تهذيب الكمال» (1/ 471) ، «الاستبصار» (7/ 25، 93) ، «التحفة اللطيفة» (130) ، «صفة الصفوة» (1/ 503) ، «الجرح والتعديل» (4/ 382) ، «شذرات الذهب» (1/ 28) ، «أصحاب بدر» (236) ، «التاريخ الكبير» (1/ 25) ، «الوافي بالوفيات» (15/ 203) ، «تاريخ الإسلام» (3/ 90) .]] ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ [[عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجاد، والدة سعد بن عبادة. ماتت في حياة النبي ﷺ سنة خمس. قال ابن سعد: ماتت والنبي ﷺ في غزوة «دومة الجندل» في شهر ربيع الأول، فلمّا جاء النبيّ ﷺ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها. ينظر: «الإصابة» (8/ 246) .]] مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» [[أخرجه أبو داود (1/ 526) ، كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1681) من طريق أبي إسحاق عن رجل عن سعد بن عبادة به. وأخرجه أحمد (5/ 284) ، والنسائي (6/ 255) ، كتاب «الوصايا» ، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (3666) من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سعد بن عبادة به نحوه. وأخرجه النسائي (6/ 254) ، كتاب «الوصايا» ، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (3665) ، وابن ماجة (2/ 1214) ، كتاب «الأدب» ، باب فضل صدقة الماء، حديث (3684) ، وابن خزيمة، رقم (2497) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» . وأخرجه أبو داود (1/ 526) كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1680) من طريق شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن عن سعد بن عبادة بنحوه.]] . 73 أوروى أبو داود في «سننه» ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» [[تقدم تخريجه.]] . انتهى. وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 373) .]] . ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.