الباحث القرآني

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ... الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ ﷺ مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا [[قال صاحب «المصباح» : الربا: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر، ويثنّى فيقال: ربوان بالواو على الأصل، وقد يقال: ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ربويّ. قاله أبو عبيد وغيره. وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ. وربا الشيء يربو، إذا زاد ونما، وأربى الرّجل (بالألف) دخل في الرّبا، وأربى على الخمسين، زاد عليها. وفي «اللسان» : ربا الشيء يربو ربوّا ورباء: زاد ونما، وأربيته: نميته. وفي التنزيل العزيز: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: 276] ومنه: آخذ الربا الحرام. وأربى الرّجل في الربا: يربي، وقد تكرر ذكره في الحديث. والأصل فيه الزيادة من: ربا المال، إذا زاد وارتفع، والاسم: الربا مقصور، وأربى الرجل على الخمسين ونحوها: زاد، وفي حديث الأنصار يوم «أحد» : «لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم» . أي: لنزيدنّ ولنضاعفنّ. وفي حديث الصدقة: «وتربو في كف-- الرّحمن، حتّى تكون أعظم من الجبل» وربا السّويق ونحوه ربوّا: صبّ عليه الماء فانتفخ، وقوله (عز وجل) في صفة الأرض: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: 5] قيل: معناه عظمت وانتفخت. وقرىء: «وربأت» فمن قرأ: «وربت» فهو من ربا يربو، إذا زاد على أيّ الجهات زاد. ومن قرأ: «وربأت» بالهمز فمعناه: ارتفعت، وسابّ فلان فلانا، فأربى عليه في السّباب، إذا زاد عليه. وقوله (عز وجل) : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [الحاقة: 10] أي: أخذه تزيد على الأخذات. قال الجوهري: أي: زائدة، كقولك: «أربيت، إذا أخذت أكثر مما أعطيت» . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: فضل مال خال عن عوض، شرط لأحد العاقدين، في معاوضة مال بمال. وعرفه الشّافعية بأنه: عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار حالة العقد، أي: مع تأخير في البدلين، أو أحدهما. وعرفه المالكية بأنه: عقد معاوضة على نقد أو طعام مخصوص بجنسه، مع التفاضل، أو مع التأخير مطلقا. وعرفه الحنابلة بأنه: الزّيادة في أشياء مخصوصة. وقد قسّم الفقهاء الرّبا إلى قسمين، وزاد الشافعية قسما ثالثا: 1- ربا الفضل، وهو: البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر. 2- ربا النّسا، وهو: البيع لأجل، أو تأخير أحد العوضين عن الآخر. 3- ربا اليد، وهو: البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما. ينظر: «الصحاح» (6/ 2350) ، و «المغرب» (182) ، و «المصباح المنير» (1/ 333) ، و «المطلع» (239) . وينظر: «شرح فتح القدير» (7/ 3) ، «تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق» (4/ 85) ، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (2/ 31) ، «مغنى المحتاج» (2/ 21) ، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (1/ 161) ، «المغني» (4/ 122) ، «مجمع الأنهر» (2/ 83) ، «كشاف القناع» (3/ 251) .]] العبّاس» [[هو جزء من حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ، وقد تقدم تخريج هذا الحديث عند آيات الحج في سورة البقرة.]] فبدأ ﷺ بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله ﷺ إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد [[عتّاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي، أبو عبد الرحمن من مسلمة الفتح. ولي للنبي ﷺ «مكّة» وله عشرون سنة. وعنه ابن المسيّب، وعطاء مرسلا لأنه مات يوم مات الصّديق. وذكر الطبراني أنه عمل لعمر، وفي صحيح مسلم حديث يدل على ذلك إلى سنة إحدى وعشرين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 208) .]] ، فلمّا استنزل ﷺ أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ» ، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله ﷺ فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 107) برقم (6256) ، (6257) عن ابن جريج والسدي، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 374) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 646) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي، وعزاه لابن جرير عن ابن جرير.]] . فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ. وقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ. ت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا [[ينظر: صحيح البخاري (8/ 52) ، كتاب «التفسير» ، باب (فأذنوا بحرب من الله) ، حديث (4542) .]] ، وقال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 375) .]] : هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 8) برقم (6265) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 375) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 647) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] . ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال- عليه الصلاة والسلام [[أخرجه مالك (2/ 674) ، كتاب «البيوع» ، باب جامع الدين والحول، حديث (84) ، والبخاري (4/ 464) كتاب «الحوالة» ، باب هل يرجع في الحوالة، حديث (2287) ، ومسلم (3/ 1197) ، كتاب «المساقاة» ، باب تحريم مطل الغني، حديث (33/ 1564) ، وأبو داود (3/ 640) ، كتاب «البيوع» ، باب في المطل، حديث (3345) ، والنسائي (7/ 317) ، كتاب «البيوع» ، باب الحوالة. والترمذي (3/ 600) ، كتاب «البيوع» ، باب مطل الغني ظلم، حديث (1308) ، وابن ماجه (2/ 803) كتاب-- «الصدقات» ، باب الحوالة، حديث (2403) ، والشافعي في «الأم» (3/ 233) ، كتاب «الحوالة» . وأحمد (2/ 245) ، والدارمي (2/ 261) كتاب «البيوع» ، باب في مطل الغني ظلم. والحميدي (2/ 447) رقم (1032) ، وأبو يعلى (11/ 172- 173) رقم (6283) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 8) ، والبيهقي (6/ 70) كتاب «الحوالة» ، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليتبع» . وأخرجه البخاري (5/ 75) كتاب «الاستقراض» ، باب مطل الغني ظلم، حديث (2400) ، ومسلم (3/ 1197) ، كتاب «المساقاة» ، باب تحريم مطل الغني. وأحمد (2/ 315) ، وعبد الرزاق (8/ 316) رقم (15355) ، والبيهقي (6/ 70) كتاب «الحوالة» ، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» . لفظ البخاري هكذا مختصرا. وأخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 231) من طريق أبي قرة موسى بن طارق عن ابن جريج عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» . وقال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا ابن جريج، تفرد به أبو قرة. قال السهمي في «سؤالاته للدارقطني» (402) : سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت: أبو قرة موسى بن طارق لا يقول: «أخبرنا» أبدا، يقول: ذكر فلان. أيش العلة فيه؟ فقال: هو سماع له كله، وقد كان أصاب كتبه آفة فتورع فيه، فكان يقول: ذكر فلان. اهـ. وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 294) من طريق علي بن مسهر عن عاصم الأحول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» . وفي الباب عن ابن عمر: أخرجه الترمذي (3/ 600- 601) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث (1309) ، وابن ماجة (2/ 803) كتاب «الصدقات» ، باب الحوالة، حديث (2404) ، وأحمد (2/ 71) من طريق هشيم: ثنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملىء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في واحدة» . والحديث ذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (2/ 242) مع أنه ليس على شرطه فقد أخرجه الترمذي أيضا، ولم ينفرد به ابن ماجة. فقال: هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع يونس بن عبيد من نافع شيئا، إنما سمع من ابن نافع عن أبيه. وقال ابن معين وأبو حاتم: لم يسمع من نافع شيئا.]] - فالمعنى أنه يكون القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ ﷺ لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ ﷺ لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» [[أخرجه البخاري (1/ 657) ، كتاب «الصلاة» ، باب التقاضي والملازمة في المسجد، حديث (457) ، (1/ 669) ، كتاب «الصلاة» ، باب رفع الصوت في المسجد، حديث (471) ، ومسلم (3/ 1192) ، كتاب «المساقاة» ، باب استحباب الوضع من الدين، حديث (20، 21/ 1558) .]] ، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات. 73 ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ. ت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ ﷺ، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» [[أخرجه البخاري (4/ 361) ، كتاب «البيوع» ، باب من أنظر معسرا، حديث (2078) ، ومسلم (3/ 1196) ، كتاب «المساقاة» ، باب فضل إنظار المعسر، حديث (31/ 1562) من حديث أبي هريرة.]] ، وفي «صحيح مسلمٍ» : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» ، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ» ، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» [[ورد من حديث أبي اليسر، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وعثمان، وابن عباس، وكعب بن عجرة، وأسعد بن زرارة. حديث أبي اليسر: أخرجه أحمد (3/ 427) ، والدارمي في «السنن» (2/ 261) ، كتاب «البيوع» ، باب فيمن أنظر معسرا، ومسلم في «الصحيح» (4/ 2302) ، كتاب «الزهد» (53) ، باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر (18) ، الحديث (74/ 3006) ، وابن ماجة «السنن» (2/ 808) ، كتاب «الصدقات» (15) ، باب إنظار العسر. (14) ، الحديث (2419) ، والحاكم في «المستدرك» (2/ 28- 29) ، كتاب «البيوع» ، باب من أنظر معسرا، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 28) ، كتاب «البيوع» ، باب من عجل له أدنى من حقه، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 19- 20) في ترجمة كعب بن عمرو أبي اليسر، رقم (115) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووهم، لإخراج مسلما إياه. حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي في «السنن» (3/ 599) ، كتاب البيوع (12) ، باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به (67) ، الحديث (1306) . والقضاعي في «مسند الشهاب» (1/ 281) ، الحديث (459) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع له، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» . قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. حديث أبي قتادة: أخرجه أحمد (5/ 300، 308) ، والدارمي (2/ 261- 262) ، ومسلم (3/ 1196) كتاب «المساقاة» ، باب فضل إنظار المعسر، الحديث (32/ 1563) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 266) في ترجمة حماد بن زيد، رقم (373) بلفظ: «من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» لفظ أحمد والدارمي، وقال مسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينظر معسرا، أو ليضع عنه» وقال أبو نعيم: «من أنظر معسرا أو وهب له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . حديث عثمان: -- أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (1/ 73) بلفظ: «أظل الله عبدا في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ، أنظر معسرا أو ترك لغارم» وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 136) : وفيه عباس بن الفضل، ونسب إلى الكذب. وحديث ابن عباس: أخرجه أحمد في «المسند» (1/ 327) عنه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض: «من أنظر معسرا، أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم» . وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 136- 137) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن جعوية السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح. حديث آخر لابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11330) عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنظر معسرا إلى ميسرته، أنظره الله بدينه إلى نوبته» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 138) : رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، وفيه الحكم بن الجارود، ضعفه الأزدي. وشيخ الحاكم وشيخ شيخه لم أعرفهما. حديث كعب بن عجرة: أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 209- 210) ، و «الكبير» (19/ رقم 214) «من أنظر معسرا أو يسر عليه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 137) ، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبيدة بن معتب، وهو متروك. حديث أسعد بن زرارة: أخرجه الطبراني في الكبير (899) بلفظ «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 137) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عاصم بن عبيد الله عن أسعد، وعاصم ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة.]] . انتهى. والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى: «وُجِدَ، وَحَدَثَ» ، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ. واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح [[شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي، أبو أميّة الكوفي، مخضرم، ولي لعمر «الكوفة» فقضى بها ستين سنة، وكان من جلة العلماء، وأذكى العالم عن علي وابن مسعود، وعنه الشّعبي، وأبو وائل، وثقه ابن معين، قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء. وقال ابن حصين: اختصم إليه رجلان فحكم على أحدهما، فقال: قد علمت من حيث أتيت، فقال شريح: لعن الله الراشي والمرتشي والكاذب، قال محمد بن نمير: مات سنة ثمانين على الأصح، عن مائة وعشر سنين وقيل: عشرين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 447) .]] ، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور العلماء [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 110) برقم (6274) عن ابن عباس، وبرقم (6275) عن ابن سيرين، والأثر ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 352) عن ابن عباس، وابن عطية (1/ 377) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 650) .]] ؟ ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 377) .]] : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً. ت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك. وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء. وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله ﷺ ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 114) (6305) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 353) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 377) .]] . وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 114) برقم (6307) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 378) .]] : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ ﷺ بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه ﷺ قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ» ، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» [[ينظر: «تفسير القرطبي» (3/ 374) .]] . وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان. ت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن، فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فبكى عندها، ثم بكى، إلى أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، احترق بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال، غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل، ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال، وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ [[البلبال: والبلابل، والبلبلة: شدة الهم والوسواس في الصدور وحديث النفس. ينظر: «لسان العرب» (351) (بلل) .]] ، اغتنموا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال، واطرحوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب/ الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال. انتهى من 74 «الكم الفارقيّة، في الحكم الحقيقيّة» . ويَوْماً: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ: هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ على أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردّ على الجبريّة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب