الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ... الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. / قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 386) .]] : رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ [[الرهن يطلق لغة على العين المرهونة. قال ابن سيده: الرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه يقال: رهنت فلانا رهنا، وارتهنته إذا أخذه رهنا، والرهينة (واحدة الرهائن) : الرهن. والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى المرهون، فقيل: هو رهن بكذا، أو رهينة بكذا. وفي الحديث: «كل غلام رهينة بعقيقته» . ومعناه: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها، وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. قال الخطّابي: تكلم الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعقّ عنه، فمات طفلا لم يشفع في والديه، أي: أن كل غلام محبوس، ومرهون عن الشفاعة بسبب ترك العقيقة عنه. وقيل: معناه أنه مرهون بأذى شعره، واستدلوا بقوله: «فأميطوا عنه الأذى» وهو ما علق به من دم الرّحم. ورهنه الشيء يرهنه رهنا، ورهنه عنده، كلاهما، جعله عنده رهنا، ورهنه عنه جعله رهنا بدلا منه. قال الشاعر: [الكامل] ارهن بنيّك عنهم وأرهن بني أي: أرهن أنا بنيّ كما فعلت أنت. ويطلق على الدوام والحبس. قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس عليك، وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وكُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي: محتبس بعمله، ورهينة محبوسة بكسبها. وحديث: «نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه» أي محبوسة عن مقامها الكريم. قال الشاعر: [البسيط] وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا-- شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيبقيه عنده، ولا يفارقه، وكل شيء ثبت ودام فقد رهن، ورهن لك الشيء أقام ودام، وطعام راهن مقيم. وأنشد الأعشى يصف قوما يشربون خمرا لا تنقطع: [البسيط] لا يستفيقون منها وهي راهنة ... إلّا بهات وإن علّوا وإن نهلوا ورهن الشيء رهنا: دام وثبت، وراهنة في البيت ثابتة، ورهين والرهن اسمان. ينظر: «لسان العرب» (3/ 1757- 1758) ، «المصباح المنير» (1/ 330) ، «الصحاح» (5/ 2128) ، «المغرب» (1/ 356) . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. وعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه. وعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثقا به في دين. وعرفه الحنابلة بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم. ينظر: «تكملة فتح القدير» (10/ 135) ، «مجمع الأنهر» (2/ 584) ، «حاشية الشرقاوي على شرح التحرير» (2/ 109) ، «مغني المحتاج» (2/ 121) ، «حاشية الدسوقي» (3/ 231) ، «أسهل المدارك» (2/ 266) ، «الإقناع في فقه الحنابلة» (2/ 150) ، «المغني لابن قدامة» (4/ 361) .]] ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له. وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن. وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ. واختلفوا في قَبْض عدلٍ [[القبض في اللغة: الإمساك والتناول، يقال: قبضه بيده يقبضه: تناوله، وقبض عليه بيده أمسكه، والقبض شرعا: يرجع فيه إلى الشرع والعرف، وهو يختلف باختلاف الحال، وتفصيله: أن المال إما أن يرهن من غير اعتبار تقدير فيه، أو يرهن معتبرا فيه تقدير، فالحالة الأولى التي لم يعتبر فيها تقدير، إما لعدم إمكانه، أو مع الإمكان، فينظر إن كان المرهون مما لا ينقل، كالدور، والأرضين، والشجر الثابت، والثمرة على الشجرة قبل أوان الجداد، فقبضه بالتخلية بينه وبين المرتهن، وتمكينه من وضع يده، بأن يفتح الدار أو يسلمه مفتاحها، وإن كان من جملة المنقولات فقيه خلاف نبينه: فرأى «الشافعي» (في رواية راجحة) ، وأحمد، وأبو يوسف: أنه لا يكتفي بالتخلية، بل لا بد من النقل والتحويل. ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (في رواية مرجوحة) : «الاكتفاء بالتخلية. وقد أجمع الناس على قبض المرتهن، وكذا على قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه. وقيل ذكر المذاهب أوضح المراد من العدل هنا. العدل: من رضي الراهن والمرتهن وضع المرهون في يده، سواء أرضيا ببيعه أم لا، أو هو من يقدر على الإيفاء والاستيفاء، مسلما كان أم ذميا أم حربيا مستأمنا ما دام في دارنا أو هو من يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف، مسلما كان أم كافرا، عدلا أم فاسفا، ذكرا أم أنثى. -- وقال ابن المقري: فإن شرطا وضعه عند عدل أو عدلين جاز. قال شارحه: لو عبر بدل عدل بثالث لكان أولى فإن الفاسق كالعدل في ذلك وقد رأى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور: أن قبضه يقوم مقام قبض المرتهن إذا شرطا وضعه عند عدل. وجنح ابن أبي ليلى، وقتادة، والحارث العسكري، والظاهرية إلى أنه لا يقوم مقامه. ينظر: «الرهن» لشيخنا حسن مصطفى، و «الأم» (3/ 123) ، و «المهذب» (1/ 304) ، والقرطبي (3/ 410) ، و «البحر الرائق» (8/ 291) ، و «ابن عابدين» (5/ 334) ، و «تكملة فتح القدير» (8/ 221) ، و «الشرح الكبير» ، لابن قدامة (4/ 414) ، و «المغني» له (4/ 387) .]] يوضَعُ الرهْنُ على يديه. فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ. وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ [[الحكم بن عتيبة الكندي، مولاهم، أو أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام، عن أبي جحيفة، وعبد الله بن شدّاد، وأبي وائل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وخلق، وعنه منصور، والأعمش، ومسعر، وشعبة، وأبي عوانة، وخلق، قال العجلي: ثقة ثبت من فقهاء أصحاب إبراهيم، صاحب سنة واتباع، قال أبو نعيم: مات سنة خمس عشرة ومائة، عن خمس وستين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 245) .]] ، وغيره: ليس بقَبْض. وقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن. وقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء. قال ابن العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 262) .]] : قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال: وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ [[أخرجه البخاري (4/ 35) في البيوع: باب التجارة في البحر (2063) ، و (4/ 548- 549) في الكفالة: باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها (2291) ، وأحمد (2/ 348) من طريق ليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل ... فذكره.]] في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد، والرهن. اهـ. وقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة. وقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ... الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال ﷺ، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ. وروى البزّار في «مسنده» ، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» [[أخرجه البزار (2/ 119- كشف) رقم (1342) ، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن أبي سعد، عن معاوية بن إسحاق، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس به. وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 152) : رواه البزار، وفيه جماعة لم أجد من ترجمهم.]] اهـ من «الكوكب الدري» . قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ. وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ... الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز. واختلف في معنى هذه الآية. فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها [[أخرجه الطبري (3/ 143) برقم (6452) ، وذكره ابن عطية (1/ 389) .]] ، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ. وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا 75 ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [[أخرجه مسلم (1/ 115- 116) كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (199/ 125) ، وأحمد (2/ 412) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 661) . كلهم من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله (عز وجل) : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قال: نعم، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 661) ، وزاد نسبته إلى أبي داود في «ناسخه» ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وورد أيضا بنحو ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أخرجه مسلم (1/ 116) ، كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (200/ 125) . والترمذي (5/ 206) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة البقرة، حديث (2992) . وأحمد (1/ 233) . والنسائي في «الكبرى» (6/ 307) ، كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، حديث (11059) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 105) ، والحاكم (2/ 286) ، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفيه نظر: فقد أخرجه مسلم كما تقدم في التخريج. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 661) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .]] [البقرة: 286] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ. وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ. وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ [[ينظر: «الطبري» (3/ 149) .]] أنّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة. ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 389) .]] : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ ﷺ فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ ﷺ لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا» ، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: 65] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها. وقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 390) .]] : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ ﷺ ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي ﷺ، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها. اهـ. وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ ﷺ وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: 93] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه. وآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد ﷺ، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته: هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه. وقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون [[وروي عن أبي عمرو «يفرق» كما في «الكشاف» (1/ 331) ، ورويت عن سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمر بن جرير، ويعقوب كما في «المحرر الوجيز» (1/ 392) . وقرأ عبد الله «يفرقون» ، ينظر: «الكشاف» (1/ 331) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 392) ، و «البحر المحيط» (2/ 379- 380) ، و «الدر المصون» (1/ 694) .]] . والمعنى: يقولون: لا نفرِّق. ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض. وقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ. ت: وزاد أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (2/ 380) .]] ، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا. اهـ. وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ ﷺ، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (6501) ، وابن أبي شيبة (11/ 501) رقم (11824) ، وسعد بن منصور (478) عن حكيم بن جابر به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 665) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والحديث مرسل.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.