الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة [[أخرجه الطبري (1/ 352) برقم (1076) قال أحمد شاكر: «ابن كريب» ضعيف، وقد بين القول في ضعفه في «شرح المسند» (2571) . وأبوه كريب بن أبي مسلم «تابعي ثقة» . اهـ. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز [[أخرجه الطبري (1/ 351) برقم (1071) عن قتادة.]] ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس [[ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) عن ابن عباس بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره في موضع آخر عن ابن عباس بلفظ «قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قراءة ابن مسعود هذا أحدها: «من بقلها وقثائها وثومها» وعزاه في هذا الموضوع لابن أبي داود.]] ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير [[المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط والرمث. الواحد مغفور ومغثور. ينظر: «لسان العرب» (3275) .]] . ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ. انتهى. وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ [[علي بن سليمان بن الفضل، أبو المحاسن، المعروف ب «الأخفش الأصغر» : نحوي، من العلماء. من أهل بغداد، أقام ب «مصر» سنة (287- 300 هـ.) ، وخرج إلى «حلب» ، ثم عاد إلى «بغداد» ، وتوفي بها وهو ابن 80 سنة. له تصانيف، منها: «شرح سيبويه» ، و «الأنواء» ، و «المهذب» ، وكان ابن الرومي مكثرا من هجوه. توفي سنة (315 هـ.) . انظر: «بغية الوعاة» (338) ، و «وفيات الأعيان» (1: 332) ، و «الأعلام» (4/ 291) .]] . مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى: الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ. وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين [[وقرأ «مصر» بغير تنوين في هذه الآية الأعمش، كما في مختصر الشواذ لابن خالويه (ص 14) . كما قرأ بها طلحة بن مصرف والحسن وأبان بن تغلب، وقيل: هي كذلك في مصحف أبي بن كعب ومصحف عبد الله وبعض مصحاف عثمان. كما في «البحر المحيط» (1/ 396- 397) ، و «الدر المصون» (1/ 241) .]] ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن [[أخرجه الطبري (1/ 354) برقم (1085) بلفظ: «مصرا من الأمصار، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر» اهـ.]] ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم. انتهى. وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [[قوله تعالى: الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يعني: فقر النفس. قال السمين الحلبي: والمراد بها هنا الجزية والصغار. «عمدة الحفاظ» (2/ 239) . وقال الحسن وقتادة: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ هي أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال عطاء بن السائب: هي الكستينج (لبس اليهود) وزي اليهودية، والْمَسْكَنَةُ: زي الفقر، فترى المثرى منهم يتباءس مخافة أن يضاعف عليه الجزية، ولا يوجد يهودي غني النفس. ينظر: «الوسيط» (1/ 147) ، و «الطبري» (2/ 137) ، و «البغوي» (1/ 66) ، و «ابن كثير» (1/ 102) ، و «الدر المنثور» (1/ 73) .]] معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى. وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم للشنعة [[الشّنعة: الاسم من الشناعة، وشنع الأمر أو الشيء شناعة وشنعا وشنعا وشنوعا: قبح. ينظر: «لسان العرب» (2339) .]] ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب. ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ... الآية. اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية. فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد ﷺ، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم: هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: 156] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ. قال ص [[«المجيد» (ص 280) .]] : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع [[ينظر: «السبعة» (157) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 94) ، و «حجة القراءات» (100) ، و «شرح شعلة» (265) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 396) .]] بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج] إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وهند مثلها يصبي [[البيت لزيد بن ضبة، وهي في «اللسان» صبا.]] انتهى. قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 157) .]] : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين. وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل الكتاب [[أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1112) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه لوكيع.]] ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1101) بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 47) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 145) ، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، وقال ابنُ جْرَيْج [[عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، الفقيه، أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلا، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 12) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 402) ، «تهذيب الكمال» (2/ 178) ، «الكاشف» (2/ 210) ، «الثقات» (7/ 93) .]] : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1107) .]] ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1108) .]] ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان [[زياد بن أبيه، وأبيه أبو سفيان، أمير من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل «الطائف» أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، ولد في (اهـ.) قال الشعبي: ما رأيت أحدا أخطب من زياد، توفي في (53 هـ.) ينظر: «ميزان الاعتدال» (1: 355) ، «الأعلام» (3/ 53) .]] ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ [[أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1109) ، (1110) عن الحسن وقتادة.]] . وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ... الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه. قاله ابنُ عبَّاس [[أخرجه الطبري (1/ 366- 367) برقم (1125) .]] ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ [[أخرجه الطبري (1/ 366) برقم (1118) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ [[فلسطين: آخر كور «الشام» من ناحية «مصر» ، قصبتها «بيت المقدس» ، ومن مشهور مدنها «عسقلان» ، -- و «الرملة» ، و «غزة» ، و «أرسوف» ، و «قيسارية» ، و «نابلس» ، و «أريحا» ، و «عمان» و «يافا» ، و «بيت جبرين» ، وهي أول أجناد «الشام» ، أولها من ناحية الغرب «رفح» وآخرها «اللجون» من ناحية الغور. ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1042) .]] طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ. قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 159) .]] : والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين. وبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد [[أخرجه الطبري (1/ 367) برقم (1131) عن السدي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) وعزاه لابن جرير.]] . وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق [[أخرجه الطبري (1/ 368) برقم (1132) بلفظ: «خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق» .]] . وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه. وقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.