الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه. وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء [[اللّحاء- ممدود-: الملاحاة كالسّباب، ولاحى الرّجل وملاحاة ولحاء: شاتمه. ولاحيته ملاحاة ولحاء: إذا نازعته. ينظر: «لسان العرب» (4015) .]] حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ ﷺ، لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً. والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم. 24 ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ... الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره [[أخرجه الطبري (1/ 389) برقم (1239) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 151) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن ابن عباس.]] . والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة. قال م: قال الجَوْهَرِيُّ [[إسماعيل بن حماد الجوهري، كان من أعاجيب الزمان ذكاء، وفطنة، وعلما، كان إماما في اللغة والأدب، قرأ على ابن علي الفارسي، والسيرافي. له: «الصحاح» ، و «مقدمة في النحو» ، مات سنة 393 هـ. ينظر: «البغية» (1/ 446، 447) .]] : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون. انتهى. ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ [[عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي. ولد سنة (725) ، أحب الحديث، وسمع كثيرا، وولع بتخريج أحاديث «الإحياء» ، ورافق الزيلعي الحنفي، وكان مفرط الذكاء، أكثر الرحلة والسماع، أخذ عنه الهيثمي، وغيره كابن حجر وبرهان الدين الحلبي، صنف «ألفية الحديث» وعمل نكتا على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلا على ابن سيد الناس. ت (806) . ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (4/ 29) ، «الضوء اللامع» (4/ 171) ، «إنباء الغمر» (5/ 170) .]] في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز] معنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ... وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه. وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه. قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ» : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها. انتهى. والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 163) .]] . وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر. ورُوِيَ عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» [[أخرجه ابن أبي حاتم (1/ 223) ، رقم (727) ، والبزار (3/ 40- كشف) ، رقم (2188) ، وابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 111) ، كلهم من طريق عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن بني إسرائيل قالوا: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة: 70] لما أعطوا، ولكن استثنوا» وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» (6/ 319) : رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 150) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. وللحديث شاهد مرسل عن عكرمة. ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 150) ، وعزاه إلى سعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر.]] . وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب [[أخرجه الطبري (1/ 394- 395) برقم (1262- 1263- 1264) ، عن قتادة وأبي العالية، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 152) عن أبي العالية، وعزاه لابن جرير.]] ، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 194) .]] ، وقيل: من العمل [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 164) .]] . ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة. وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة [[الغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. ينظر: «لسان العرب» (3327) .]] ، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى 25 أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه. / فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ [[أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1290) عن عبيدة السلماني من طريق محمد بن سيرين. كما أخرجه عبد الرزاق في التفسير (1/ 49) . وهو عبيدة بن عمرو السّلماني، قبيلة من «مراد» . مات النبي ﷺ وهو في الطريق. عن علي، وابن مسعود. وعنه الشعبي، والنخعي، وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان يوازي شريحا في القضاء والعلم. قال أبو مسهر: مات سنة اثنتين وسبعين. وقال الترمذي: سنة ثلاث. ينظر: «الخلاصة» (2/ 207) ، «طبقات ابن سعد» (6/ 93) ، «سير أعلام النبلاء» (4/ 40) ، «العبر» (1/ 79) ، و «التقريب» (1/ 547) .]] ، وقيل: بوزنها مرتَيْنِ [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 164) ، ولم يذكر له سندا.]] . وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات [[أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1282) عن السدي.]] ، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير [[أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1284) بلفظ: «كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا» . عن مجاهد. اهـ.]] . والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح [[واختلف في علّة بنائه، فقال الزجاج: «لأنّه تضمّن معنى الإشارة لأنّ معنى أفعل الآن أي: هذا الوقت» . وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد، من حيث إنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يصغّر. وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف وهو الألف واللام كأمس، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه ولم يعهد معرّف بأل إلّا معربا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في «الذي» و «التي» وبابهما، ويعزى هذا للفارسي. وهو مردود بأنّ التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه. وهو لازم للظرفيّة ولا يتصرّف غالبا، وقد وقع مبتدأ في قوله- عليه السلام-: «فهو يهوي في قعرها الآن حين انتهى» فالآن مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدّم، و «حين» خبره، بني لإضافته إلى غير متمكّن، ومجرورا في قوله: أإلى الآن لا يبين ارعواء ... وادعى بعضهم إعرابه مستدلا بقوله: كأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر يريد: «من الآن» فجرّه بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماض، وأن أصله آن بمعنى حان فدخلت عليه أل زائدة واستصحب بناؤه على الفتح، وجعله مثل قولهم: «ما رأيته مذ شبّ إلى دبّ» وقوله عليه السلام: «وأنهاكم عن قيل وقال» ، وردّ عليه بأنّ أل لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره، وعنه قول آخر أنّ أصله «أوان» فحذفت الألف ثم قلبت الواو ألفا، فعلى هذا ألفه عن واو، وقد أدخله الراغب في باب «أين» فتكون ألفه عن ياء، والصواب الأول. ينظر: «الدر المصون» (1/ 260، 261) .]] ، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ. وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة [[أخرجه الطبري (1/ 397) برقم (1279) بلفظ: «من كثرة قيمتها» قال العلامة أحمد شاكر: «وفيه أبو معشر بن عبد الرحمن السندي المدني، وهو ضعيف» .، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 152) ، وعزاه لابن جرير، وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 163) .]] ، وقيل: كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل [[أخرجه الطبري (1/ 399) برقم (1292) عن وهب بن منبه كان يقول: «إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة، إنما قالوا لموسى «أتتخذونا هزوا» لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها» ، وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 165) ، والقرطبي (1/ 387) ، عن وهب بن منبه.]] . وفَادَّارَأْتُمْ: معناه: تدافعتم قتل القتيل، وفِيها، أي: في النَّفْس. وقوله تعالى: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها : آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً. وقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ... الآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمّد ﷺ، ليعتبر به إلى يوم القيامة. وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصري محمّد ﷺ، وأنها مقطوعة من قوله: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ، وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.