الباحث القرآني

وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية. فقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ: الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس [[أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (3/ 391) ، ولفظه «قال: قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمة» ، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 489) .]] ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس. وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ» على صيغة المُضِيِّ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ كما قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: 73] وقال قوم: المعنى: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ» وفي رواية: «السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة» وفي رواية: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القيامة، المقتضي لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» ، وفي رواية: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ» [[أخرجه مسلم (2/ 585) ، كتاب «الجمعة» ، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (19/ 885) .]] . اهـ. وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يقال: أين الأمّة الأمّيّة ونبيّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ» [[أخرجه ابن ماجة (2/ 1434) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة أمة محمد ﷺ، حديث (4290) . وقال البوصيري في «الزوائد» (3/ 317) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.]] ، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا» [[أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 282) .]] ، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه. اهـ من «التذكرة» [[ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 377) .]] . ورَوَى أبو داودَ في سننِه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل» [[أخرجه أبو داود (2/ 507) ، كتاب «الفتن» ، باب ما يرجى في القتل، حديث (4278) ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا كثير بن هشام، ثنا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى مرفوعا. وسقط في السند عند المؤلف كثير، والمسعودي، وسعيد بن أبي بردة.]] اهـ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة. اهـ. وقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ. وفي الحديثِ: «خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» [[أخرجه أحمد (6/ 431- 432) ، من حديث درة بنت أبي لهب. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 266) : رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات.]] ، رواه البغويُّ في «منتخبه» . اهـ من «الكوكب الدري» . وقوله سبحانه: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. وقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجود، فهي من آيات نبيّنا محمّد ﷺ، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ. وقوله تعالى: ضُرِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ. وقوله: ذلِكَ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.