الباحث القرآني

وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ... الآية: اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر ﷺ بالقَوْل لهم: فقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم. وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه ﷺ من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً» ، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هذه الآية» [[أخرجه أبو داود (2/ 170) : كتاب «الخراج والفيء والإمارة» ، (3001) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 192) -- رقم (6663) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 173- 174) . كلهم من طريق محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس به. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 16) ، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وفاته أن يعزوه إلى أبي داود.]] والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار. وقوله تعالى: وَبِئْسَ الْمِهادُ: يعني: جهنَّم هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ: المعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 192) برقم (6668) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 374) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 406) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 406) .]] : فكان المعنى: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم. وقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ... الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ» بضم التاء [[وقرأ بها أبان عن عاصم، وأبو عبد الرحمن السلمي، كما في «المحرر الوجيز» (1/ 406) ، و «البحر المحيط» (2/ 411) . وقد نسبها ابن جني في «المحتسب» (1/ 154) إلى ابن عباس، وطلحة بن مصرف، وقال: قراءة حسنة.]] فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ «أرى» بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ [[أبو الفتح عثمان بن يزيد بن جني، من حذاق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف- تلمذ على أبي علي الفارسي، من تصانيفه «الخصائص» ، «سر صناعة الإعراب» ، «المحتسب» ، «اللمع» مات سنة 392 هـ. ينظر: «بغية الوعاة» (2/ 132) .]] ، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ. قال ع [[ينظر «المحرر الوجيز» (1/ 407) .]] : ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إلى يوم بدر ويُؤَيِّدُ: معناه يقوّي من «الأيد» ، وهو القوّة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.