الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا- عليه السلام- رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك لأنه يَمُوتُ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووفّوا لله بعدهم كسعدِ بْنِ الرَّبيع [[سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأنصاريّ، الخزرجيّ، أحد نقباء الأنصار. ينظر: «الإصابة» (3/ 49) .]] ، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ [[أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري، الخزرجي، عمّ أنس بن مالك خادم النبيّ ﷺ. ينظر: «الإصابة» (1/ 281) .]] ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (رضي اللَّه عنه) في تفسير هذه الآية [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 455) برقم (7937) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 516) ، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (2/ 145) ، وعزاه لابن جرير.]] : الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ/ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم موت النّبيّ ﷺ، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي: فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ. وقوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ... الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له يبيِّن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: 18] ، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 518) .]] . ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها [[هذه اللفظة قيل: مركبة من كاف التشبيه ومن «أيّ» ، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من «كم» الخبرية، ومثلها في التركيب وإفهام التكثير: «كذا» في قولهم: «له عندي كذا كذا درهما» والأصل: كاف التشبيه و «ذا» الذي هو اسم إشارة، فلمّا ركّبا حدث فيهما معنى التكثير، وكم الخبرية و «كأيّن» و «كذا» كلّها بمعنى واحد، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ألا ترى أنّ «لولا» حدث لها معنى جديد. «وكأيّن» من حقّها على هذا أن يوقف عليها بغير نون لأنّ التنوين يحذف وقفا، إلا أنّ-- الصحابة كتبتها: «كأيّن» بثبوت النون، فمن ثمّ وقف عليها جمهور القراء بالنون اتباعا لرسم المصحف. ووقف أبو عمرو وسورة بن مبارك- عن الكسائي- عليها: «كأي» من غير نون على القياس. واعتلّ الفارسي لوقف النون بأشياء طوّل بها، منها: أنّ الكلمة لمّا ركّبت خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغات خمس: أحدها: «كأيّن» وهي الأصل. والثانية: «كائن» بزنة «كاعن» . اللغة الثالثة: «كأين» بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال: كعين. اللغة الرابعة: «كيئن» بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة. واللغة الخامسة: «كئن» على مثال كع، ونقلها الداني قراءة عن ابن محيصن. ينظر: «الدر المصون» (2/ 224- 225- 226) .]] لأنها كافُ التشبيه دخلت على «أيّ» ، و «كأيّن» في هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ» ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ [[وحجة من قرأ «قتل» : أن ذلك نزل معاتبة لمن أدبر عن القتال يوم أحد، إذ صاح صائحهم: قتل محمد ﷺ، فلما تراجعوا كان اعتذارهم أن قالوا: سمعنا «قتل محمد» ، فنزلت. انظر: «البحر المحيط» (2/ 516) ، و «الدر المصون» (2/ 133) .]] الباقُونَ «قَاتَلَ» ، فقوله: «قُتِلَ» ، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 460) .]] : إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ» ، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب «قُتِلَ» ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون» ، وهم المقتولُونَ [[ذكره ابن عطية (1/ 520) .]] ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ [[ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 428) عن الحسن، وذكره (أيضا) البغوي في «تفسيره» (1/ 360) ، وابن عطية (1/ 520) .]] قطُّ. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 520) .]] : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 461) .]] القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ ﷺ، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: 144] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ» : أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 520) .]] : ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله: رِبِّيُّونَ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو الرِّبَّة [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 462) برقم (7960) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 360) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 147) ، وعزاه للعوفي.]] (بكسر الراء) ، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا: ربِّيونَ: معناه: علماء [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 462) برقم (7963) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 428) ، وابن عطية (1/ 521) .]] ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ [[ورواها قتادة عن ابن عباس. ينظر: «شواذ ابن خالويه» (ص 29) ، و «المحتسب» (1/ 173) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 520) ، و «البحر المحيط» (3/ 80) ، و «الدر المصون» (2/ 229) ، و «القرطبي» (4/ 148) .]] (بفتح الراء) ، منسوبون إلى الرَّبِّ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع. وقوله سبحانه: وَمَا اسْتَكانُوا، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة [[فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه استفعل من الكون والكون: الذّلّ، وأصله: استكون، فنقلت حركة الواو على الكاف، ثم قلبت الواو ألفا. وقال الأزهريّ وأبو عليّ: «هو من قول العرب: «بات فلان بكينة سوء» على وزن «جفنة» أي: «بحالة سوء» فألفه على هذا من ياء، والأصل: استكين، ففعل بالياء ما فعل بأختها. الثاني: قال الفراء: «وزنه افتعل من السكون، وإنما أشبعت الفتحة فتولد منها ألف» . وردّ على الفراء بأنّ هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمة نحو: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان إليه استكانة، وبأنّ الإشباع لا يكون إلا في ضرورة. وكلاهما لا يلزمه: أمّا الإشباع، فواقع في القراءات السبع كما سيمرّ بك، وأمّا ثبوت الألف في تصاريف الكلمة، فلا يدلّ أيضا لأنّ الزائد قد يلزم ألا ترى أنّ الميم في تمندل وتمدرع زائدة، ومع ذلك هي ثابتة في جميع تصاريف الكلمة قالوا: تمندل يتمندل تمندل تمندلا فهو متمندل ومتمندل به، وكذا تمدرع، وهما من النّدل والدّرع. وعبارة أبي البقاء أحسن في الردّ فإنه قال: «لأنّ الكلمة في جميع تصاريفها ثبتت عينها، والإشباع لا يكون على هذا الحدّ» . ولم يذكر متعلّق الاستكانة والضعف فلم يقل «فما ضعفوا عن كذا، وما استكانوا لكذا» للعلم به أو للاقتصار على الفعلين نحو: كُلُوا وَاشْرَبُوا ليعمّ ما يصلح لهما. ينظر: «الدر المصون» (2/ 229- 230) .]] إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ» ، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا/ قريباً من ذلكَ، قلْتُ: واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفوس لله، وبذل مهجها للقتل في سَبيلِ اللَّهِ ألا ترى إلى حال الصَّحابة (رضي اللَّه عنهم) ، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» [[أخرجه أبو داود (2/ 514) ، كتاب «الملاحم» ، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام، حديث (4297) من طريق أبي عبد السلام عن ثوبان به. وأخرجه أحمد (5/ 278) ، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 182) من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان به.]] . اهـ، فانظر (رحمك اللَّه) ، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مصاب الإسلام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.