الباحث القرآني

وقوله تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ، أيْ: ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلاً أمرَهُم حتى يميز بعْضَهُم مِنْ بعض بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في «أُحُدٍ» من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد وغيره [[ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 439) بنحوه، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (1/ 546) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 184) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.]] . وقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، أي: في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة وأيضاً: فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحاً وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم. قال الفَخْر [[ينظر: «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي (9/ 90) .]] : وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي: لا سبيلَ لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلاَّ بامتحانات كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك على سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ. انتهى. وقال الزَّجَّاج [[ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (1/ 492) .]] وغيره: رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال: لِمَ لا يكون جميعنا أنبياء، فنزلت هذه الآية، ويَجْتَبِي: معناه: يَخْتَارُ ويصْطَفِي، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية: قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين: الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال: ومعنى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ هو الذي ورد/ في الحديثِ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حتى يُطَوَّقَه» [[أخرجه الطبراني في «الكبير» (2/ 322) رقم (2343) من حديث جرير بن عبد الله. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 157) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» و «الكبير» ، وإسناده جيد. وله شاهد من حديث حجير بن بيان: ذكره الحافظ في «المطالب العالية» (3/ 314) رقم (3568) ، وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة.]] ، قُلْتُ: وفي البخاريّ وغيره، عنه ﷺ قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... [[أخرجه البخاري (3/ 315) ، كتاب «الزكاة» ، باب إثم مانع الزكاة، حديث (1403) من حديث أبي هريرة.]] الأية. قلْتُ: واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به كحديث: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نار جهنّم» [[أخرجه البخاري (10/ 258) ، كتاب «الطب» ، باب شرب السم والدواء..، حديث (5778) ، ومسلم (1/ 103) كتاب «الإيمان» ، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، حديث (109/ 175) ، وأبو داود (2/ 400) كتاب «الطب» ، باب في الأدوية المكروهة، حديث (3872) ، والترمذي (4/ 386) كتاب «الطب» ، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، حديث (2043، 2044) ، والنسائي (4/ 66- 67) كتاب «الجنائز» ، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه، وابن ماجة (2/ 1145) ، كتاب «الطب» ، باب النهي عن الدواء الخبيث، حديث (3460) ، وأحمد (2/ 254، 478) ، والدارمي (2/ 192) كتاب «الديات» ، باب التشديد على من قتل نفسه، وابن حبان (5986- الإحسان) ، وابن منده في «الإيمان» (627، 628، 629) ، والبيهقي (8/ 23- 24) كتاب «الجنايات» ، باب التغليظ على من قتل نفسه، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 291- 292) وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الله بن جنادة، وهو ثقة. حديث سلمان: -- أخرجه الحاكم (3/ 604) والطبراني في «الكبير» (6183) كلاهما من طريق سعيد بن محمد الوراق عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن سلمان به وصححه الحاكم. وتعقبه الذهبي فقال: الوراق تركه الدارقطني وغيره. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 292) : رواه الطبراني وفيه سعيد بن محمد الوراق، وهو متروك.]] ، ونحو ذلك. قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهِرِ» : واعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء. انتهى، وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ ويؤيِّده النظَرُ والإعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه. قال ابنُ العَرَبِيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 303) .]] في «أحكامه» : قال عُلَماؤنا: البُخْل: مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ: منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا اقترن بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، اقتضى الوجوبَ أو التحريمَ. انتهى. وتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحسن. وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خطابٌ على ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقى مَالِكٌ إلّا الله سبحانه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب