الباحث القرآني

وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ... الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد ﷺ، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ. وفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد ﷺ إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو ﷺ أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ: من أعلمه الله بها، وهو ذاك ﷺ، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ. وقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ... الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ ﷺ: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» [[ينظر: «تفسير القرطبي» (4/ 86) .]] اهـ، وإِذا ثبت الحديث، فلا نظر لأحد معه. ويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها. وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ ﷺ، إذا سافر، أقرع بين نسائه» [[أخرجه البخاري (5/ 218) ، كتاب «الهبة» ، باب هبة المرأة لغير زوجها، الحديث (2593) ، ومسلم (4/ 2130) ، كتاب «التوبة» ، باب في حديث الإفك، الحديث (56/ 2770) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 295- 296) كتاب «عشرة النساء» ، باب قرعة الرجل بين نسائه إذا أراد السفر، حديث (8931) ، وابن الجارود في (723) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت: «كان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج في سفر، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.]] وقال ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» [[تقدم.]] . واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟ ووَجِيهاً: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ. وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ: الحليمُ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 437) .]] : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة. وقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و «يَمْسَسْ» : معناه: يَطَأ ويُجَامِع. ص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع. اهـ. والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا: «يَفْعَلُ» ، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه. وقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة. وقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ. وقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر. وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ... الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.