الباحث القرآني

وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ... الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، فَلَمَّا أَحَسَّ، ومعنى: أَحَسَّ: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقوله: إِلَى اللَّهِ: يحتمل معنيين: أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه. والثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلى» بمعنى «مع» كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: 6] ، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ» ، وهذه عُجْمَة. والحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى ﷺ، فدَعَاهم إلى نصرِهِ واتباع ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟ فقال ابنُ جُبَيْرٍ: لبياضِ ثيابِهِمْ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 285) برقم (7120) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 395) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) .]] ، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها [[أخرجه الطبري (3/ 285) برقم (7121) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) .]] ، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 285) برقم (7122) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 306) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 63) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.]] ، وقال الضَّحَّاك نحوه [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) .]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 442) .]] : وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدّ شبه النبيّ ﷺ ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» . والأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة إذ هي من الحَوَر/، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ: الحَوَارِيَّاتِ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ ومنه قول أبي جلدة اليشكريّ [[أبو جلدة بن عبيد الله اليشكري، من بني عدي بن جشم، من يشكر، شاعر نعته ابن قتيبة ب «الخبيث» ، كان مولعا بالشراب، من أهل «الكوفة» . خرج مع ابن الأشعث (عبد الرّحمن بن محمد) وقتله الحجاج، وقيل: مات في طريق «مكة» . له شعر وأخبار، وكان يهاجي زيادا الأعجم، وفي حماسة ابن الشجري قصيدة له في تحريض أهل العراق على الثورة بعد قيام ابن الأشعث على الحجاج. ينظر: «الأعلام» (2/ 133) .]] : [الطويل] فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ [[البيت لأبي جلدة اليشكري كما ذكر المصنف وهو من شعراء الدولة الأموية. من قصيدة قالها الشاعر، تحريضا وتحضيضا على قتال أهل «الشام» وهو يرمي أهل الشام وأنصار معاوية بالكفر والتنصّر، ويصف نفسه وجماعته أنهم أهل بداوة وخشونة، ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات يبكين غيرنا فلسنا ممن عرف بالحضر على الفراش، بل نحن من أهل البدو والمحاربة، فلا تبكي علينا إلا الكلاب التي تساق معنا في البدو، أو الكلاب التي جرت عادتهن أن يأكلن قتلانا في المحاربة. والبيت في «مجاز القرآن» (1/ 95) ، و «جامع البيان» (6/ 451) ، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 423) ، و «الكشاف» (1/ 432) ، و «الجمهرة» (1/ 230) ، (2/ 146) ، والأساس (حور) ، (ص 146) ، و «اللسان» (ص 1043) ، الطبري (6/ 450) .]] وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسى- عليه السلام-، أي: اشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً لله تعالى كقوله ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اللَّهُمَّ، اشهد» ، وقولهم: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى- عليه السلام-، فقال: وَمَكَرُوا، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله: وَمَكَرَ اللَّهُ، وذلك مَهْيَعٌ [[المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط، وهو مفعل من التهيع، وهو الانبساط. ينظر: «لسان العرب» (4738) (هيع) .]] أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب. وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره» ، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ابن مِهْرَانَ [[ميمون بن مهران الرقي، أبو أيوب: فقيه من القضاة، كان مولى لامرأة ب «الكوفة» ، وأعتقته، فنشأ فيها، ثم استوطن الرقة (من بلاد الجزيرة الفراتية) فكان عالم الجزيرة، وسيدها، واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها وقضائها، وكان على مقدمة الجند الشامي، مع معاوية بن هشام بن عبد الملك، لما عبر البحر غازيا إلى «قبرس» ، سنة 108 هـ، وكان ثقة في الحديث، كثير العبادة. توفي سنة (117) هـ. ينظر «الأعلام» (7/ 342) .]] عن قولِهِ تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم. اهـ. ونحوه عن الجُنَيْدِ [[الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم: صوفي من العلماء بالدين. مولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، أصل أبيه من «نهاوند» وعرف بالخزاز لأنه كان يعمل الخز. قال أحد معاصريه: ما رأت-- عيناي مثله، وهو أول من تكلم في علم التوحيد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، له رسائل، منها: «دواء الأرواح» مخطوط، توفي في (297) هـ. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 117) ، و «حلية» (10/ 255) ، و «صفة الصفوة» (2/ 235) ، و «تاريخ بغداد» (7/ 241) ، و «طبقات السبكي» (2/ 28) ، و «طبقات الحنابلة» (89) ، «الأعلام» (2/ 141) .]] ، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: 44] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة. اهـ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب