الباحث القرآني

وقوله تعالى: مَا كانَ لِبَشَرٍ ... الآية: معناه: النفْيُ التامُّ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوّة للكذبة والمدّعين، والْكِتابَ هنا اسم جنس، والْحُكْمَ: بمعنى الحكمة ومنه قول النبيّ ﷺ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً» [[أخرجه أبو داود (2/ 721) ، كتاب «الأدب» ، باب ما جاء في الشعر، حديث (5011) ، والترمذي (5/ 126) ، كتاب «الأدب» ، باب ما جاء إن من الشعر حكمة، حديث (2845) وابن ماجة (2/ 1236) ، كتاب «الأدب» ، باب الشعر، حديث (3756) ، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (872) ، وأحمد (1/ 269، 303، 309، 313، 327، 332) ، وأبو يعلى (4/ 220) رقم (2332) ، والبيهقي (10/ 241) ، كتاب «الشهادات» ، باب شهادات الشعراء، كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]] وقال الفَخْر [[ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 98) .]] : هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12] يعني: العلم والفهم. اهـ. «وثُمَّ» : في قوله: ثُمَّ يَقُولَ: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: عِباداً: جمع «عَبْدٍ» ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 461) .]] : والذي أستقْرَيْتُ/ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في التحقير. قال ص: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى» : اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ. اهـ. قلتُ: وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الفرقان: 17] ونحوه يوضِّحه. اهـ. ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى- عليه السلام-، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسّرين: بل الإشارة إلى النبيّ ﷺ وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيّ ﷺ حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَعَاذَ اللَّهِ! مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ» ، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أن تلزم هذا القول محمّدا ﷺ، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: 31] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر [[ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 96) .]] وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى: المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 323) برقم (7294) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 320) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 462) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 377) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 82) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.]] وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ- عليه السلام-: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» [[أخرجه ابن حبان (1291- موارد) بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (1159) ، والبيهقي (7/ 291) ، مختصرا.]] . قيلَ: وقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقوِّي هذا التأويل. اهـ. وقوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ... الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضا زائدة كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان [[والربّانيّون جمع ربّانيّ، وفيه قولان: أحدهما: أنه منسوب إلى الرّبّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، كرقباني، وشعراني، ولحياني للغليظ الرقبة، والكثير الشعر، والطويل اللحية، ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أمّا إذا نسبوا إلى الرقبة، والشعر، واللحية من غير مبالغة قالوا: رقبي وشعري ولحوي، هذا معنى قول سيبويه. والثاني: أنه منسوب إلى ربّان، والربّان هو المعلّم للخير ومن يسوس الناس ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالّتان على زيادة الوصف كهي في عطشان، وريّان، وجوعان، ووسنان، وتكون النسبة على هذا في الوصف نحو أحمريّ، قال: أطربا وأنت قنّسريّ ... والدّهر بالإنسان دوّاريّ وقال سيبويه: «زادوا ألفا ونونا في الرّباني أرادوا تخصيصا بعلم الرب دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: شعراني، ولحياني، ورقباني» وفي التفسير: «كونوا فقهاء علماء» ، ولمّا مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفية: «مات اليوم ربّانيّ هذه الأمة» . ينظر: «الكتاب» (2/ 89) و «الدر المصون» (2/ 147- 148) .]] ، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 462) .]] : فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: بِما كُنْتُمْ: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا» : مصدريةٌ، وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» ، عن النبيّ ﷺ قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (عزَّ وجَلَّ) على ابن آدَمَ [[أخرجه الدارمي (1/ 102) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (13/ 235) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1150) ، عن الحسن عن النبيّ ﷺ مرسلا. وأخرجه الخطيب (4/ 346) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» رقم (88) . من طريق الحسن عن جابر مرفوعا. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل» (89) ، من طريق أبي الصلت الهروي، عن يوسف بن عطية الصفار، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس مرفوعا. والحديث ضعيف.]] ، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» [[ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1162) من حديث ابن وهب عن النبيّ ﷺ.]] . اهـ. وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره. وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع [[ينظر: «السبعة» (213) ، و «الكشف» (1/ 350) ، و «الحجة» (3/ 57) ، و «معاني القراءات» (1/ 264) ، و «حجة القراءات» (168) ، و «العنوان» (80) ، و «إعراب القراءات» (1/ 116) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 161) ، و «شرح شعلة» (319) ، و «إتحاف» (1/ 483) .]] قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد ﷺ [[أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (3/ 327) برقم (7320) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 321) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 463) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (2/ 83) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.]] ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله: أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 463) .]] ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 327) .]] من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية: بمعنى الآلهة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.