الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية: قال جمهورُ الأُمَّة: الآية خطَابٌ للنبيِّ ﷺ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وكذلك جمهورُ العلماء على أنَّ صلاة الخَوْف تصلى في الحَضَر، إذا نزَلَ الخَوْف، قال الطبريُّ [[ينظر: الطبري (4/ 251) .]] : فَأَقَمْتَ لَهُمُ: معناه: حُدُودَهَا وهَيئَتَهَا. وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: أمر بالانقسام، أي: وسائرهم وِجَاه العَدُوِّ، ومعظم الرواياتِ والأحاديثِ على أنَّ صلاةَ الخَوْف إنما نزلَتِ الرخْصَةُ فيها في غَزْوة ذاتِ الرِّقَاعِ، واختلف من المأمورُ بأخْذ الأسلحَةِ هنا؟ فقيل: الطائفة المصلِّية، وقيل: بل الحارسة. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 105) .]] : ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكن سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ: ومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحرى. واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبيّ ﷺ بأصحابه صلاةَ الخَوْف وبِحَسَبِ ذلك، اختلف الفقَهَاء، فروى يزيدُ بْنُ رُومَانَ [[يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزّبير وعروة وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 169) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1532) ، «تهذيب التهذيب» (11/ 325) (625) ، «الكاشف» (3/ 277) ، «الثقات» (1581) .]] ، عن صالح [[صالح بن خوّات بفتح المعجمة: ابن جبير بن النّعمان الأنصاري المدني. عن أبيه وعنه ابنه خوّات والقاسم بن محمد. وثقه النسائي. ينظر: (1/ 459) ، «تهذيب الكمال» (2/ 595) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 387) ، «الكاشف» (2/ 19) ، «الثقات» (4/ 372) .]] بنِ خَوَّاتٍ، عن سهلِ بْنِ أبي [[هو: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارث بن الحرث بن عمرو بن مالك بن الأوس اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله. الأوسي الأنصاري، أمه: أم الربعي بنت سالم بن عدي بن مجدعة، ولد سنة ثلاث من الهجرة، حدث عن النبيّ بأحاديث وحدث عن زيد بن ثابت، ومحمد بن سلمة، روى عنه ابنه محمد، وابن أخيه محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وبشر بن يسار، وصالح بن خوّات بن جبير، ونافع بن جبير، وعروة وغيرهم. قال الواقدي: قبض النبيّ وهو ابن ثماني سنين، ولكنه حفظ عنه. توفي أول أيام معاوية. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 468) ، «الإصابة» (3/ 138) ، «الثقات» (3/ 169) ، «الاستيعاب» (1/ 661) ، «الاستبصار» (245) ، «بقي بن مخلد» (108) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 243) ، «الرياض المستطابة» (110) ، «الطبقات الكبرى» (5/ 304) ، «التاريخ الكبير» (4/ 97) ، «التحفة اللطيفة» (200) ، «الوافي بالوفيات» (16/ 8) ، «إسعاف المبطأ» (194) ، «التعديل والتجريح» (1339) .]] حَثْمَةَ أنَّهُ صلّى مع رسول الله ﷺ صَلاَةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعَ، فَصُفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأخرى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ [[أخرجه البخاري (7/ 421) ، كتاب «المغازي» ، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (4129) ، ومسلم (1/ 575) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (310/ 842) ، ومالك (1/ 183) ، كتاب «الخوف» ، باب صلاة الخوف، الحديث (1) ، وأحمد (3/ 448) ، وأبو داود (2/ 30) ، كتاب «الصلاة» ، باب إذا صلّى ركعة وثبت قائمة، الحديث (1238) ، والنسائي (3/ 171) ، كتاب «الخوف» ، باب صلاة الخوف، وابن الجارود (ص 90) ، كتاب «الصلاة» ، باب في صلاة الخوف، الحديث-- (235) ، والدارقطني (2/ 60) ، كتاب «العيدين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (11) ، والبيهقي (3/ 253) ، كلهم من طريق مالك، عن يزيدُ بْنُ رُومَانَ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ به. والحديث في «الموطأ» (1/ 183) كتاب «صلاة الخوف» ، باب صلاة الخوف، حديث]] ، وروى القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بن خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ هذا الحديثَ بعينه، إلا أنّه روي أنّ النبيّ ﷺ حِينَ صَلَّى بالطائفةِ الأخيرةِ ركْعَةً، سلَّم، ثم قضَتْ بعد سَلاَمِهِ، وبحديثِ [[. ومن طريقه أيضا أخرجه البغوي في «شرح السنة» (2/ 592- بتحقيقنا) .]] القاسمِ بنِ محمَّد، أخَذَ مالكٌ، وإليه رجَعَ بَعْدَ أنْ كان أولاً يميلُ إلى روايةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وروى عبْدُ الرزَّاق عن مجاهدٍ، قال: لَمْ يصلّ النبيّ ﷺ صلاَةَ الخَوْفِ إلاَّ مرَّتَيْنِ: مرَّةً بذاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أرض بني سُلَيْمٍ، ومرةً بعُسْفَانَ، والمشركُونَ بِضُجْنَانَ بينهم وبَيْنَ القِبْلَةِ [[أخرجه مالك (1/ 183) كتاب «صلاة الخوف» ، باب صلاة الخوف، الحديث (2) ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بْنِ خَوَّاتٍ: أن سهل بن أبي حثمة حدثه: أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم. فإذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون وينصرفون والإمام، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة، ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون. وأخرجه مرفوعا: البخاري (7/ 422) ، كتاب «المغازي» ، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (4131) ، ومسلم (1/ 575) ، كتاب «المسافرين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (309/ 841) ، وأبو داود (2/ 30) ، كتاب «الصلاة» ، باب يقوم صف مع الإمام، وصف وجاه العدو، الحديث (1237) ، والترمذي (2/ 40) ، كتاب «السفر» ، باب صلاة الخوف، الحديث (562) ، والنسائي (3/ 178) ، كتاب «الخوف» باب صلاة الخوف، وابن ماجة (1/ 400) ، كتاب «إقامة الصلاة» ، باب صلاة الخوف، الحديث (1259) ، وأحمد (3/ 448) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 323) ، كتاب «الصلاة» ، باب صلاة الخوف، والبيهقي (3/ 253) ، كتاب «صلاة الخوف» ، باب كيفية صلاة الخوف، كلهم من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعا.]] . قال ع [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 105) .]] : وظاهرُ اختلاف الرّوايات عن النبيّ ﷺ يقتضي أنَّه صلى صلاةَ الخَوْف في غير هَذيْن الموطِنَيْنِ، وقد ذكر ابنُ عبَّاس أنه كَانَ في غَزْوة ذِي قَرَدٍ صلاةَ خَوْفٍ [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 106) .]] . وقوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ... الآية: المعنى: فإذا سَجَدوا مَعكَ الركعةَ الأولى، فلْيَنْصَرِفُوا هذا على بعض الهيئات المرويَّة، وقيل: المعنى: فإذا سَجَدوا ركْعةَ القضاءِ، وهذا على رواية ابنِ أبي حَثْمَةَ، والضميرُ في قوله: فَلْيَكُونُوا، يحتملُ أنْ يكون لِلَّذِينَ سَجَدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفةِ القائِمَةِ أولاً بإزاء العَدُوِّ، ويجيء الكلامُ وَصَاةً في حال الحَذَرِ والحَرْب. وقوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ ... الآية: إخبارٌ عن مُعْتَقَدِ القومِ، وتحذيرٌ من الغَفْلةِ لَئِلاَّ ينالَ العَدُوُّ أمَلَهُ، وأسْلِحَةٌ: جمعُ سلاحٍ، وفي قوله تعالى: مَيْلَةً واحِدَةً: مبالغةُ، أي: مستأصِلَةً لا يُحْتَاجُ معها إلى ثانية. وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... الآية: ترخيصٌ. قال ابنُ عَبَّاس: نزلَتْ بسبب عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، كان مريضاً، فوضع سلاحَهُ، فعنَّفه بعْضُ النَّاس [[أخرجه البخاري (8/ 113) كتاب «التفسير» ، باب وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً حديث (4599) والنسائي في «تفسيره» (141) والحاكم (2/ 308) والبيهقي (3/ 255) . وزاد السيوطي نسبته في «الدر» (2/ 214) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 107) .]] : كأنهم تَلَقَّوُا الأمر بأخْذ السِّلاحِ على الوُجُوبِ، فرخَّص اللَّه تعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وينقاسُ عليهما كُلُّ عذرٍ، ثم قوى سبحانه/ نُفُوسَ المؤمنِينَ بقوله: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.