الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه. وقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي: حظ مثل حظ الأنثيين. وقوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختين [[ذكره ابن عطية (2/ 15) .]] وبحديث التّرمذيّ «أنّ رسول الله ﷺ قضى للابنتين بالثّلثين» [[أخرجه أحمد (3/ 352) ، وأبو داود (3/ 316) كتاب «الفرائض» ، باب ميراث الصلب، حديث (2892) ، والترمذي (4/ 414) كتاب «الفرائض» ، باب ميراث البنات، حديث (2092) ، وابن ماجة (2/ 908) كتاب «الفرائض» ، باب فرائض الصلب، حديث (2720) ، وابن سعد (3/ 2/ 78) ، والحاكم (4/ 333- 334) كتاب «الفرائض» ، باب إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. والبيهقي (6/ 216) كتاب «الفرائض» ، باب توريث ذوي الأرحام، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلا يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: «يقضي الله في ذلك» . فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» . قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. -- وقال الترمذي: حسن صحيح. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 222) ، وعزاه إلى ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، ومسدد، والطيالسي، وابن أبي عمر، وابن منيع، وابن أبي أسامة، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن جابر.]] . وقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أنثى، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ. وقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون [[هو لغة: المنع، وشرعا: منع شخص معين عن ميراثه إما كله أو بعضه بوجود شخص آخر. والمراد بقولنا «عن ميراثه» : أن يقوم به سبب الإرث كالقرابة، فيمنع عنه. وقولنا: «إما كله أو بعضه» ، (أو) فيه للتنويع لا للشك. فالأول حجب الحرمات، والثاني حجب النقصان. ولهذا المبحث شأن عظيم في الفرائض، فمن لم يعرف الحجب لا يعد عالما بالفرائض، ويحرم عليه أن يفتي فيها. وهو في حد ذاته قسمان: أ: حجب بالأوصاف، وهي الموانع السابقة التي هي الرق والقتل ... إلخ. ب: حجب بالأشخاص، وهو المراد من عبارة الفرضيين عند إطلاقهم لفظ الحجب. وهذا على نوعين: 1- حجب حرمان 2- حجب نقصان والورثة في الحجب على ثلاثة أصناف: الأول: أن يكون كل من الحاجب والمحجوب عصبة. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب حرمان كما إذا كانا في جهة واحدة، ولكن أحدهما أقرب درجة من الآخر، فإن الأقرب يحجب الأبعد. وقد يكون حجب نقصان كالعصبتين المتساويتين في القرب كالابنين مثلا فإن كل واحد منهما يحجب عن ميراث الكل إلى البعض بوجود الآخر. الثاني: إذا كانا من أهل السهام، وفي هذه الحالة أيضا يكون حجب حرمان ونقصان، فالأول: كما إذا اجتمع أولاد الأم مع البنات وبنات الابن. والثاني: كالأم مع البنات والأخوات. والأخت لأب مع الشقيقة. الثالث: إذا كان أحدهما عاصيا والآخر ذا فرض: ولا يخلو الحال من أن يكون الحاجب ذا سهم والمحجوب عصبة، فيحجب العصبة حينئذ حجب نقصان بذي السهم، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ فإنه لو لم تكن الأنثى لصار جميع المال للذكر، وبوجود الأنثى انتقص نصيبه. أو يكون الحاجب عصبة والمحجوب ذا سهم. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب نقصان، كما إذا ترك الميت أختين شقيقتين وأختين لأم وأم، فالمسألة في الأصل في سننه، وتعول بسدسها إلى سبعة، ويكون للأختين الثلثان: «أربعة» من سبعة، فلو ترك معهما أخا شقيقا لكان لهما معه ثلاثة من ستة. وقد يكون حجب حرمان كبنت الابن مع الابن أو كأخ شقيق مع الأخت لأب. انظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم.]] الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في حُكْمِ الواحد [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 17) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 223) ، وعزاه لابن جرير، والحاكم، وصححه، والبيهقي في «سننه» .]] . وقدَّم الوصيةَ في اللفظ اهتماما بها، وندباً إليها إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على [[من الحقوق التي تثبت على العبد الديون المرسلة في الذمة، فتقدم على الوصية، وسميت مرسلة لأنها أرسلت، أي أطلقت عن تعلقها بعين التركة. ويجب تقديم دين الله على دين الآدمي إذا مات ولم يؤدهما ثم ضاقت التركة عنهما لقوله ﷺ: «دين الله أحق بالقضاء» . أما قبل الموت، فإن كان محجورا عليه قدم دين الآدمي جزما، ولو اجتمع عليه ديون لله (تعالى) قدمت الزكاة إن كان النصاب موجودا، وإلا فتستوي الحقوق. وإنما قدمت الديون المرسلة في الذمة على الوصية، لأن تلك الديون حق واجب على الميت، فقضاؤه مقدم، والوصية تبرع فلذا أخرت. ينظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم.]] الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث. وقوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة. قال ابن زَيْد: لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً، يعني: في الدنيا والآخرة [[أخرجه الطبري (3/ 624) برقم (8746) ، وذكره البغوي (1/ 403) ، وابن عطية (2/ 18) .]] ، قال الفَخْر [[ينظر: «مفاتيح الغيب» (9/ 177) .]] : وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يميل إليه الطّبع. انتهى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.