الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... الآية: هذه الآيةُ حُكْمٌ من اللَّه تعالى في أمْرِ المرأةِ الَّتِي تكُونُ ذاتَ سِنٍّ ونَحْو ذلك ممَّا يرغَبُ زوجُها عَنْها، فيعرض عليها الفُرْقَة أو الصَّبْر على الأَثَرة، فتُرِيدُ هي بَقَاءَ العِصْمة، فهذه التي أَبَاحَ اللَّه بينهما الصُّلْحَ ورَفَعَ الجُنَاحَ فيه. واختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: نزلَتْ في النبيِّ- عليه السلام- وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ [[هي: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، أم المؤمنين. القرشية. العامرية رضي الله عنها. قال ابن الأثير: تزوجها النبيّ ﷺ بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة. قاله عقيل عن الزهري.. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة توفيت آخر خلافة عمر سنة (54) . تنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 157) ، «الإصابة» (8/ 117) ، «الثقات» (3/ 183) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 280) ، «تقريب التهذيب» (2/ 601) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 426) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1686) ، «أعلام النساء» (2/ 267) ، «السمط الثمين» (117) ، «الدر المنثور» (252) ، «الاستيعاب» (4/ 1867) ، «الكاشف» (3/ 473) .]] وفي المصنَّفات: أن سَوْدَةَ لما كَبِرَتْ، وَهَبَتْ يومها لعائشة [[أخرجه الترمذي (5/ 249) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء، حديث (3040) ، وأبو داود الطيالسي (1944) ، والطبري في «تفسيره» (10608) ، والبيهقي (7/ 297) كتاب «القسم والنشوز» ، باب ما جاء في قول الله عز وجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً..، والطبراني في «الكبير» (11/ 284) رقم (11746) ، كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... ، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 410) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر. وللحديث شواهد أخرى عن عائشة.]] ، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيره: نزلت بسبب رافع بن خديج [[هو: رافع بن خديج بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ... أبو عبد الله. أبو خديج. الأنصاري. الأوسي. الحارثي أمه: حليمة بنت مسعود بن سنان. عرض نفسه يوم بدر على النبيّ ﷺ فرده لصغره، ثم أجازه يوم أحد فشهد أحد وأصيب بها، ثم الخندق وأكثر المشاهد، وشهد صفين مع علي، واستوطن المدينة، وكان عريف قومه-- إلى أن مات بها. وصلّى عليه ابن عمر. توفي سنة (74) وله (86 سنة) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 190) ، «الإصابة» (2/ 186) ، «الثقات» (3/ 121) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 173) ، «الاستيعاب» (2/ 479) ، «العبر» (1/ 83) ، «الاستبصار» (240) ، «عنوان النجابة» (80) ، «الكاشف» (1/ 30) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 50) ، «الرياض المستطابة» (69) .]] ... وامرأتِهِ خَوْلَةَ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 307) برقم (10605) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 411) ، وعزاه للشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب.]] ، وقال مجاهدٌ: نزلَتْ بسبب أبي السَّنَابِلِ [[أبو السنابل بن بعكك: بموحدة ثم مهملة ثم كافين، بوزن جعفر، ابن الحارث بن عميلة، بفتح أوله، ابن السباق، ابن عبد الدار القرشي العبدري، واسمه صبّة، بموحدة، وقيل: بنون. قال البغويّ: سكن الكوفة، وقال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبيّ ﷺ. روى عن النبيّ ﷺ: روى عنه الأسود بن يزيد النخعي، وزفر بن أوس بن الحدثان النصري. وقال ابن سعد وغيره: أقام بمكة حتى مات، وهو من مسلمة الفتح، وأخرج حديثه التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة، كلّهم من رواية منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنه في قصة سبيعة. ينظر: «الإصابة» (7/ 161) ، «الكنى والأسماء» (3211) ، «تفسير الطبري» (9/ 10601) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 121) ، «تقريب التهذيب» (2/ 431) .]] وامرأتِهِ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 308) برقم (10606) ، وذكره ابن عطية (2/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 412) ، وعزاه لابن جرير.]] ، ولفظُ ابنِ العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 503) .]] : قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ... الآية: قالَتْ عائشةُ (رضي اللَّه تعالى عنها) : هِيَ المرأَةُ تكُونُ عند الرجُلِ ليس بمستكْثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَهَا، فتقولُ لَهُ: أجعلُكَ مِنْ شأنِي في حِلٍّ، فنزلَتِ الآية، قال الفقيهُ أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فرضوانُ اللَّه علَى الصِّدِّيقة المُطَهَّرة، لَقَدْ وفَّتْ بما حَمَّلها ربُّها من العَهْد في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34] انتهى. وقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظٌ عامٌّ مطلقٌ يقتضي أنَّ الصُّلّحَ الحقيقيَّ الذي تسكن إلَيْه النفوسُ، ويزولُ به الخلافُ خَيْرٌ على الإطلاق، ويندرج تحْتَ هذا العموم أنَّ صُلْحَ الزوجَيْن/ على ما ذكرنا- خيرٌ من الفُرْقَة. وقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ معذرةٌ عن عَبِيدِهِ تعالى، أي: لا بُدَّ للإنسان بحُكْم خلقته وجِبِلَّتهِ من أنْ يشحَّ على إرادته حتى يَحْمِلَ صاحبه على بعض ما يكره، وخصَّص المفسِّرون هذه اللفظة هنا. فقال ابنُ جُبَيْر: هو شُحُّ المرأة بالنفقة مِنْ زوجها، وبقَسْمه لها أيامَها [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 310) برقم (10624) ، وذكره ابن عطية (2/ 120) .]] . وقال ابن زَيْد: الشحُّ هنا منه وَمِنْها قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 120) .]] : وهذا حسنٌ. والشُّحُّ: الضبط على المعتَقَدَاتِ، وفي الهمم، والأموالِ، ونحو ذلك، فما أفرط منه، ففيه بعض المذمَّة، وهو الذي قال تعالى فيه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: 9] ، وما صار إلى حيِّزِ مَنْعِ الحقوقِ الشرعيَّة، أو الَّتي تقتضِيَها المروءةُ، فهو البُخْل، وهي رذيلةٌ، لكنها قد تكُونُ في المؤمِنِ ومنه الحديثُ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وأما الشُّحُّ، ففي كلِّ أحد، وينبغي ألاَّ يفرط إلاَّ على الدِّين ويدلُّك على أنَّ الشُّحَّ في كلِّ أحد قولُهُ تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: 9] ، فقد أثبَتَ أنَّ لكل نفسٍ شُحًّا، وقول النبيِّ- عليه السلام-: «وَأَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» [[أخرجه البخاري (3/ 334) في الزكاة: باب فضل صدقة الشحيح (1419) ، و (5/ 439- 540) في الوصايا: باب الصدقة عند الموت (2748) ، ومسلم (2/ 716) في الزكاة: باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (92- 93/ 1032) ، وأبو داود (2/ 126) في الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (2865) ، والنسائي (5/ 68) في الزكاة: باب أي الصدقة أفضل، و (6/ 237) في الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (2/ 903) في الوصايا: باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (2706) ، والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (786) ، وأحمد (2/ 231، 415، 447) ، وابن خزيمة (4/ 103) ، برقم (2454) ، والبيهقي (4/ 190) ، والبغوي (3/ 423) برقم (1665) من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ... فذكره.]] ، وهذا لم يُرِدْ به واحداً بعينه، وليس يجمُلُ أنْ يقال هنا: أنْ تَصَدَّقَ، وَأَنتَ صحيحٌ بخيلٌ. وقوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا: ندْبٌ إلى الإحسان في تحسين العِشْرة، والصَّبْرِ على خُلُقِ الزوجة، وَتَتَّقُوا: معناه: تتقوا اللَّه في وصيَّته بهنَّ إذ هنّ عوان عندكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.