الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ... الآية. قال ص: التوبةُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: قَبُولُ التوبةِ. انتهى. قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 21) .]] : «إنَّمَا» : حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبداً، فقد تصادِفُ من المعنى ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر كقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: 171] ، وقد لا تصادف ذلك كقوله: «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ» ، وهي في هذه الآية حاصرةٌ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولى طاعةٌ قد انقضت وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أخرى مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضاً التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة على غيره من غير نَوْعِهِ، خلافاً للمُعْتَزِلَة [[كان للحسن البصري تلميذ يتلقى عليه، فلما سمعه يقرر أن مرتكب الكبيرة مذنب عاص إن لم يتب، فأمره لربه إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عقابا لا خلود معه في النار، وأن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله تعالى. عند ذلك خالف أستاذه في هاتين المسألتين، واعتزل مجلس أستاذه إلى مجلس آخر يقرر في المسألة الأولى أنه ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو واسطة بينهما، فلا هو بمؤمن لأن الإيمان عقيدة وعمل، ولا بكافر، ويقرر في الثانية أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بإقدار من الله تعالى، عند ذلك قال الحسن: اعتزلنا واصل، فسموا «معتزلة» لذلك، ثم كثر أتباع واصل، وصار لهم مذهب معروف في مسائل كثيرة، منها: وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي، ومنها نفي الصفات القديمة، ومنها مسألة الحسن والقبح العقليين، ومسألة الصلاح والأصلح. ينظر: «مذكرة الشيخ» ، صالح موسى شرف.]] في قولهم: لا يكُونُ تائباً مَنْ أقام على ذَنْب. وقوله تعالى: عَلَى اللَّهِ، أي: على فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نحو قوله ﷺ: «مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ» ، إنما معناه: ما حقُّهم على فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه/ تعالى شيْءٌ عقلاً، والسُّوءَ في هذه الآية: يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى: بِجَهالَةٍ: معناه: بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أدى إلى المعصية، وليس المعنى أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يخرج من التّوبة، وهذا فاسدٌ إجماعاً، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصحاب النبيّ ﷺ ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ [[أخرجه الطبري (3/ 640) برقم (8833) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 231) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.]] ، وقال قتادةُ: اجتمع أصحاب النبيّ ﷺ على أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْداً كانَتْ أو جهلاً [[أخرجه الطبري (3/ 640) برقم (8834) ، وذكره البغوي (1/ 407) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 232) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير.]] وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك أنهما قالا: الجَهَالَةُ هنا العَمْد [[أخرجه الطبري (3/ 641) برقم (8841) ، (8842) عن مجاهد وبرقم (8843) عن الضحاك، وذكره البغوي (1/ 407) عن مجاهد. وابن عطية (2/ 24) عنهما.]] ، وقال عِكْرِمَةُ: أمور الدنيا كلُّها جهالة [[أخرجه الطبري (3/ 641) برقم (8844) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 24) .]] : يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنى عندي جَارٍ مع قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: 20] . واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ. فقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: معنى ذلك: قَبْلَ المَرَضِ والموتِ [[أخرجه الطبري (3/ 642) برقم (8845) عن السدي، وبرقم (8846) عن ابن عباس. وذكره البغوي (1/ 407) عن السدي، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) عنهما.]] ، وقال الجمهورُ: معنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ على نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ [[عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، أحد الأئمة، نزل «الشام» عن عائشة في «مسلم» و «النسائي» . وعن عمر مرسلا، وحذيفة، وابن عباس، وأبي هريرة، ومعاوية وخلق. وعنه مولاه أبو رجاء، وقتادة، وأيّوب، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول وخلق. قال أيوب: أبو قلابة من الفقهاء ذوي الألباب. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. قال خليفة: مات بالشام سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع. ينظر: «الخلاصة» (2/ 58) .]] أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جرى لَهُ مَا جرى، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالى: «وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ» [[أخرجه الطبري (3/ 643) برقم (8854) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) .]] : فابنُ عبَّاس (رضي اللَّه عنه) ذكَرَ أحسن أوقات التوبة، والجمهور حدّوا آخر وقتها [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 25) .]] ، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ أن النبيّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ على عَقْلِهِ» [[تقدم تخريجه.]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) .]] : لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ، إنما معناه: مِنْ قريبٍ إلى وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت: بل المبادرة واجبَةٌ. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً، أي: بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة حَكِيماً: فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتى يَهْلِكَ، ثم نفى بقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ... الآية: أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين [[أخرجه الطبري (3/ 645) برقم (8863) .]] . قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) .]] : والعقيدةُ عندي في هذه الآيات: أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه أنه ينعَّم ولا يعذَّب هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره. وقال غيرهم: بل هو مغفُورٌ له قطعاً لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتى حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافراً، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمناً، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ تفضُّلاً منه لا يعذِّبه. وأَعْلَمَ اللَّه تعالى أيضاً أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ. وقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً: إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت/، فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه، وأَعْتَدْنا معناه: يسّرناه وأحضرناه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.