الباحث القرآني

وقوله سبحانه: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ... الآية: قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد [[أخرجه الطبري (3/ 571) برقم (8446) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 5) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 208) ، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.]] ، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ. قال ابنُ العَرَبِيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 308) .]] : وذلك عند الابتلاء والإرشاد. انتهى. وقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل [[أخرجه الطبري (3/ 571) برقم (8441) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 5) والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 208) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] : المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا. والطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخبيث: الحرام. وقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ» : عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم قاله ابن عباس وغيره [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 6) .]] وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء ك «تَعَبَّد» ، و «تَكَسَّبَ» ، وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: 65] أي: تطرّحون الفاكهة عَنْ أنفسكم. وقوله تعالى: كَبِيراً: نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر. وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ... الآية: قال أبو عبيدة: خفتم هاهنا بمعنى أيْقَنْتُمْ. قال ع [[ذكره ابن عطية (2/ 6) .]] : وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا: مجازه: أيْقَنْتُمْ [[ذكره ابن عطية (2/ 6) .]] ، قال أبو جعفر [[ينظر: الطبري (3/ 579) .]] : بل هو على ظاهر الكلمة. انتهى. وتُقْسِطُوا: معناه: تَعْدِلُوا يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار قالتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) : نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ [[الكيس: الخفّة والتّوقّد، والكيّس: العاقل، ويقال: كايست فلانا فكسته أكيسه كيسا: أي غلبته بالكيس، وكنت أكيس منه. ينظر: «لسان العرب» (3966، 3967) .]] في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة. قال الحسَنُ وغيره: ما طابَ: معناه [[أخرجه الطبري (3/ 577) برقم (8479) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 7) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 210) ، وعزاه لابن جرير.]] ما حلّ. وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله. قال الإمام الفَخْر: وفي تفسير [[ينظر: «مفاتيح الغيب» (10/ 141) .]] مَا طابَ بِما حَلَّ- نَظَرٌ وذلك أنَّ قوله تعالى: فَانْكِحُوا: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: مَا طابَ لَكُمْ، أي: ما حَلَّ لكم- لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال/ والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص [[اقتضت حكمة الله أن تكون التكاليف المشروعة في كتابه وسنة رسوله ﷺ موضوعة على طريقة العموم وكثيرا ما تكون كذلك في البعض، وعلى طريقة الخصوص في البعض الآخر.. غير أن أغلب ما احتواه القرآن من عام وما اشتملت عليه السنة منه قد تطرق إليه التخصيص، فأخرجه عن عمومه وشموله لجميع الأفراد.. وحكم العام قبل التخصيص دال على أفراده قطعا عند البعض، وظنّا عند آخرين ... ودليل التخصيص تارة يكون عقلا، وتارة يكون كلاما، وتارة لا يكون عقلا ولا كلاما، كالحس، والزيادة، والنقصان، فإن كان المخصص هو العقل، كان العام قطعيا في الباقي إذ ليس فيه ما يورث الشبهة لأن ما يقتضي العقل إخراجه فهو مخرج وغيره باق على ما كان إذ هو في حكم الاستثناء لكنه حذف اعتمادا على العقل، فمثلا ليس في قوله الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] ونظائر ذلك- شبهة في دلالته مع خروج الصبي والمجنون بالعقل، وإلا لما أجمعوا على كفر من جحد العمل بمقتضى الخطابات الواردة بالفرائض من مثل ما معنا، وليس لقائل أن يقول: من الجائز أن تكون قطعيتها بواسطة الإجماع لأنا نقول: هذه الخطابات قطعية قبل أن يتحقق الإجماع. هكذا أطلق صدر الشريعة في «توضيحه» ، ولم يفصل بين ما إذا كان المخرج بالعقل معلوما أو مجهولا إذ العقل قد يقتضي إخراج بعض معلوم، وقد يقتضي إخراج بعض مجهول، بأن يكون الحكم مما يمتنع على الكل دون البعض مثل: «الرجال في الدار» . وقد نبه صاحب «التلويح» وغيره على أن المخرج به إن كان مجهولا فهو لا يصلح حجة حتى يتبين المراد منه لأن جهالة المخرج أورثت جهالة في الباقي.. ولا شك أن القول بالقطعية إنما يكون على مذهب من يرى قطعية العام قبل التخصيص، أما من يرى ظنيته فظاهر أنه يكون ظنيا بعده كما كان قبله لأن الاحتمال الذي كان من أجله الحكم بالظنية عندهم باق بعد التخصيص بالعقل، فالحق أن إطلاق القول بالقطعية ليس على ما ينبغي، اللهم إلا إن كان الإطلاق بناء على مذهبه. وإن كان المخصص غير العقل والكلام فالظاهر أنه لا يبقى قطعيا لاختلاف العادات وخفاء الزيادة والنقصان وعدم إطلاع الحس على تفاصيل الأشياء، اللهم إلا أن يعلم القدر المخصوص قطعا. -- وإن كان المخصص كلاما وكان مبهما كما لو قال: «أحسن إلى الناس» ثم يقول عقيب ذلك: «لا تحسن إلى بعضهم» ، وكما لو قال: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم» ، فقد نقل الآمدي في «الإحكام» اتفاق الكل على أنه لا يبقى حجة على معنى أن يتوقف في الاحتجاج به حتى يجيء البيان لأنه قد صار مجملا، وقد جرى على هذا النحو من حكاية الاتفاق العضد حيث قال: قد اختلف في العام المخصص بمبين هل هو حجة فيما بقي أم لا، أما المخصص بمجمل نحو هذا العام مخصوص أو لم يرد به كل ما يتناوله، فليس حجة بالاتفاق. وحكى في «إرشاد الفحول» أن ممن نقل الإجماع على هذا جماعة، منهم: القاضي أبو بكر، وابن السمعاني، والأصفهاني.. وفي حكاية الاتفاق في هذا المقام نظر، ففي «المسلّم» وقال الجمهور: العام المخصوص بمبهم ليس حجة خلافا لفخر الإسلام. قال شارحه: «والإمام شمس الأئمة، والقاضي الإمام أبي زيد، وأكثر معتبري مشايخنا في المستقل بل لا مخصص عندهم إلا هو، فإنه عندهم حجة ظنية، وقيل: إذا كان المخصص مستقلا مبهما يسقط المبهم، ويبقى العام كما كان، وإليه مال أبو المعين من الحنفية. وعبارة «كشف الأسرار» على «البزدوي» : والصحيح من المذهب أن العام يبقى حجة بعد الخصوص، معلوما كان المخصص أو مجهولا، إلا أن فيه ضرب شبهة. ثم حكى أن القاضي الإمام أبا زيد ذكر في «التقويم» أن الذي ثبت عنده من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص. وفي «أصول الجصاص» : «والذي عندي من مذهب أصحابنا في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع الاستدلال به فيما عدا المخصوص، وعليه يدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل» . ونقل صاحب «إرشاد الفحول» عن الزركشي في «البحر» أن ما نقلوه من الاتفاق، فليس بصحيح. وقال المحلّي بعد حكاية الخلاف في المعين: وما اقتضاه كلام الآمدي وغيره من الاتفاق على أنه في المبهم غير حجة مدفوع بنقل ابن برهان وغيره الخلاف فيه. والذي تطمئن النفس إليه بصدد حكاية الاتفاق على عدم الحجية إن خص بمبهم وأقوال من نقلنا عنهم الخلاف في الحجية أن حكاية الاتفاق على عدم حجيته فيما كان غير مستقل، يرشح ذلك تمثيل الأسنوي بعد أن ذكر ما قاله الآمدي وغيره من الاتفاق على عدم الحجية بقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: 1] فإن المخصص فيه مبهم غير مستقل، ولذلك قال البدخشي: العام إن خص بغير مستقل من اللفظ مبهم نحو: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم» ، فليس بحجة وفاقا، لأن المجموع كلام واحد لكون الغير المستقل بمنزلة وصف قائم بالأول، فتسري جهالته إليه، فيتوقف على البيان. اهـ. فخص موضع الوفاق بالمخصص المبهم غير المستقل.. أما المستقل فمما تقدم نعلم أن للأصوليين فيه أقوالا ثلاثة: الأول: عدم الحجية مطلقا، وإليه ذهب الجمهور ... الثاني: حجية ظنية، وإليه ذهب فخر الإسلام، وشمس الأئمة، والقاضي الإمام أبو زيد. الثالث: سقوط المبهم كأن لم يكن وبقاء العام كما كان من كونه حجة قطعية كما هو عند الحنفية، أو ظنية كما هو عند الشافعية، وإليه مال أبو المعين من الحنفية. -]] ، والمُجْمَلُ لا يكونُ حجّة أصلا. انتهى، وهو حسن، و مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ» ، وهي نكراتٌ لا تنصرف لأنها معدولة وصفة. وقوله: فَواحِدَةً، أي: فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ أَلاَ ترى أنّها المنفقة كما قال - عليه السلام-: «حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» [[تقدم تخريجه، وهو حديث: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظل إلا ظله» .]] ، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة. قال ابن العَرَبِيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 314) .]] : قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ [[القسم والنشوز: القسم: بفتح القاف مع سكون السين بمعنى العدل بين الزوجات في المبيت، وهو المراد هنا، ومع فتح السين: اليمين، وبكسر القاف مع سكون السين بمعنى: الحظ، والنصيب، ومع فتح السين: جمع قسمة، وقد تطلق على النصيب أيضا.]] لأنَّ المعنى: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم. انتهى من «الأحكام» . وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا، أدنى: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره [[أخرجه الطبري (3/ 582) برقم (8502) ، (8503) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 8) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 211) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في «المصنف» ، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس.]] ، وقالَتْ فرقة: معناه: أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ [[أخرجه الطبري (3/ 583) برقم (8507) عن ابن زيد، وذكره البغوي (1/ 392) عن الشافعي. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 8) عن زيد بن أسلم، وابن زيد، والشافعي. وذكره أيضا السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 211) ، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.]] ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.